جريمة المرفأ… من فجّر الدولة ومن عطّل العدالة؟

سعد شعنين

8/4/2026 9:11:46 AM



لم يعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 مجرد جريمة تنتظر اكتمال ملفها القضائي، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على مواجهة منظومة الإفلات من العقاب، واستعادة قرارها من كل القوى التي اعتادت أن تكون أقوى من القانون. فالجريمة التي أودت بحياة أكثر من مئتي شخص ودمّرت جزءاً كبيراً من العاصمة لا يمكن أن تنتهي بمجرد مرور السنوات، ولا يمكن أن تتحول إلى ملف مؤجل حتى ينسى اللبنانيون أسماء المسؤولين والجهات التي عطلت الوصول إلى الحقيقة.

المحاسبة في هذه القضية يجب أن تكون شاملة، لا أن تتوقف عند لحظة الانفجار أو عند المسؤوليات الإدارية والأمنية التي سبقت 4 آب. فهناك أيضاً مسؤولية سياسية وقضائية وأمنية عن كل محاولة جرت لمنع التحقيق من الوصول إلى نهايته، وعن كل ضغط مورس على القضاء، وعن كل تهديد أو اعتداء استهدف المحقق العدلي أو مناصري استقلال القضاء.

لقد شهد لبنان تدخلاً مباشراً وصريحاً في مسار التحقيق، ولم تكن كل الوقائع بحاجة إلى تحقيقات سرية لمعرفة أنها حصلت. فمواقف القوى السياسية كانت معلنة، والاعتراض على المحقق العدلي لم يبقَ في إطار البيانات السياسية، بل وصل إلى الشارع، وصولاً إلى أحداث الطيونة في تشرين الأول 2021 التي جاءت بعد دعوة من حزب الله وحركة أمل للتظاهر ضد القاضي طارق البيطار، وانتهت بمواجهات مسلحة وسقوط قتلى وجرحى. وقد وثقت منظمات حقوقية دولية أن التحقيق تعرض منذ انطلاقه لسلسلة من الضغوط والتدخلات والطلبات التي أدت إلى تعطيله مراراً.

وهنا يجب التمييز بوضوح بين أمرين" التحقيق في جريمة المرفأ من أجل تحديد المسؤولية الجزائية عن الانفجار، والمحاسبة على أفعال التدخل والضغط والتهديد والاعتداء على القضاء التي وقعت أمام اللبنانيين وباتت جزءاً من الوقائع العامة". الأول يحتاج إلى القضاء وأدلته وقراراته، أما الثاني فلا يجوز أن يتحول إلى منطقة محرمة لمجرد أن المتورطين فيها ينتمون إلى قوى سياسية نافذة.

فالقانون لا يستطيع أن يكون انتقائياً، وإذا كانت الدولة تريد فعلاً استعادة هيبتها، فعليها أن تقول بوضوح إن أي حزب أو مسؤول أو جهة سياسية لا تمتلك حق تعطيل القضاء أو تهديد القضاة أو فرض شروط على العدالة." لا حزب يملك حصانة سياسية أمام القانون، ولا شارع يمكن أن يتحول إلى وسيلة لمنع العدالة، ولا سلاح يمكن أن يصبح أداة ضغط على مؤسسات الدولة."

المفارقة أن جريمة المرفأ كشفت حجم الانهيار في الدولة، لكن ما تلاها كشف شيئاً أخطر: قدرة بعض القوى على مواجهة القضاء عندما يقترب التحقيق من مناطق حساسة سياسياً،وهنا تصبح القضية أكبر من المرفأ نفسه، إنها قضية دولة تريد أن تعرف من قتل أبناءها، ومن أهمل، ومن قصّر، ومن سمح بتخزين مواد شديدة الخطورة، ومن عرف وسكت، ومن تدخل بعد وقوع الجريمة لمنع الوصول إلى الحقيقة.

لقد تحوّل التحقيق في جريمة المرفأ إلى مواجهة بين منطقين"منطق الدولة والقانون من جهة، ومنطق الحصانات السياسية والنفوذ من جهة أخرى. وكل تأخير إضافي في المحاسبة يعطي قوة للمنطق الثاني ويضعف ثقة اللبنانيين بالدولة."

لقد آن الأوان لإغلاق مرحلة كان فيها النفوذ أقوى من القانون. فالمطلوب ليس الانتقام من حزب أو تيار أو مسؤول، بل وضع قاعدة واحدة تنطبق على الجميع،من يثبت أنه ارتكب جريمة يحاسب، ومن يثبت أنه عرقل العدالة يحاسب، ومن يثبت أنه استخدم نفوذه لمنع القضاء من القيام بدوره يحاسب.

فجريمة المرفأ ليست ملفاً سياسياً يمكن إقفاله بتسوية، ولا قضية يمكن دفنها تحت ركام السنوات. إنها جرح في ذاكرة لبنان، والعدالة فيها أصبحت جزءاً من معركة استعادة الدولة.

فإذا لم تستطع الدولة أن تحاسب بعد انفجار بهذا الحجم، وإذا استطاعت القوى السياسية أن تتدخل في القضاء وتمنع الوصول إلى الحقيقة، فإن الحديث عن دولة القانون يصبح مجرد شعار.

أما إذا تمكن القضاء من الوصول إلى الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وحماية نفسه من التدخلات، فسيكون ذلك أول مؤشر فعلي على أن لبنان بدأ ينتقل من مرحلة دولة النفوذ إلى مرحلة دولة المؤسسات.

في 4 آب انفجر المرفأ، لكن الذي يجب أن ينفجر اليوم هو جدار الإفلات من العقاب. ولا يمكن بناء دولة جديدة فوق عدالة مؤجلة، ولا يمكن استعادة هيبة الدولة من دون محاسبة كل من اعتدى على حق اللبنانيين في معرفة الحقيقة.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT