الدول الغربية في سوريا: البراغماتية اولًا

وليد اللبيان

8/5/2026 11:36:49 AM

تشهد الساحة السياسية السورية تحولًا مفاجئًا في توجهات السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية، تجلّى في تجاوزها، بل وتخليها، عن مبادئ أساسية شكّلت لعقود جزءًا جوهريًا من رؤيتها وعلاقاتها مع دول العالم.

إن تعدد التحديات التي تواجه سوريا، وما قد تتركه من تداعيات سلبية على محيطها الإقليمي، استدعى مقاربات غربية غير تقليدية هدفت إلى تفكيك العقد المحلية واحتواء مصادر التوتر، بالتزامن مع اعتماد أحمد الشرع سياسة خارجية براغماتية ابتعدت عن الاعتبارات الأيديولوجية، سعيًا إلى ترسيخ بقائه في السلطة وتعزيز الأمن والاستقرار.
ويُعد ملف إعادة الإعمار من أبرز الأولويات بالنسبة إلى مختلف الأطراف، ليس فقط لما يوفره من فرص استثمارية وعوائد اقتصادية ونفوذ سياسي، بل أيضًا لارتباطه الوثيق بملف عودة النازحين. فالدول الأوروبية ترفض إلى حد كبير العودة القسرية للاجئين، بينما تضغط في المقابل على الشرع لاتخاذ خطوات عملية تتيح العودة الطوعية. إلا أن الأخير يدرك أن أي عودة واسعة النطاق قبل إعادة تأهيل القرى والبنى التحتية ستؤدي إلى مضاعفة الضغوط على المدن التي تعاني أساسًا من موجات نزوح داخلي.
أما البعد الثاني لإعادة الإعمار، فيكمن في ارتباطه المباشر بعملية المصالحة الوطنية وإعادة بناء الثقة بين السوريين، شرط أن تُدار مشاريع الإعمار بصورة متوازنة تشمل مختلف المناطق والقطاعات ومجالات الاستثمار. فلا يمكن بناء خطة وطنية لإعادة إعمار سوريا على أسس التهميش أو التمييز أو تفضيل منطقة على أخرى. ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول الأوروبية، كونه يشكل ضمانة أساسية للحيلولة دون تكرار سيناريو الانزلاق إلى حرب داخلية جديدة، قد تكون هذه المرة مدفوعة بالصراع على الحصص في مستقبل الاقتصاد السوري.
كما أن قدرة الشرع على تجاوز إرث الماضي في سياسته الخارجية ساهمت في تسريع الانفتاح الغربي على الساحة السورية، تفاديًا لأي تقارب محتمل بين دمشق وكل من روسيا والصين وإيران. فالشرع يسعى إلى تثبيت موقعه في السلطة وجذب الاستثمارات، وهو ما تمتلك الصين قدرة كبيرة على توفيره. وفي الوقت نفسه، لا تزال روسيا، رغم دورها العسكري في الحرب السورية ودعمها لنظام الأسد، تمثل شريكًا مهمًا لسوريا في مجالي الطاقة والمواد الغذائية. ومن هنا، فإن تمسك الدول الأوروبية بسياساتها التقليدية التي تمنح الأولوية لملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، من دون مراعاة التحولات الجيوسياسية الراهنة، قد يدفع دمشق إلى توثيق علاقاتها مع موسكو وبكين، ويوفر لهما فرصة واسعة لتعزيز حضورهما السياسي والاقتصادي داخل سوريا.
أما العامل الأكثر أهمية، فيتمثل في إدراك الغرب لضرورة الحفاظ على استقرار نظام الشرع، في ظل غياب بديل سياسي قادر على إدارة المرحلة الانتقالية. فأي خلل يصيب بنية النظام الحالي قد يعيد إنتاج سيناريوهات الفوضى، ويؤدي إلى موجات نزوح جديدة، فضلًا عن احتمال عودة الجماعات المتشددة المرتبطة بتنظيم داعش إلى الواجهة. ويزداد هذا الإدراك أهمية بالنظر إلى أن سقوط نظام الأسد لم يكن ضمن السيناريوهات التي كانت الدول الغربية أو حتى دول المنطقة تستعد لها، لا سيما في ظل الجهود التي كان يبذلها الأسد لإعادة ترميم علاقاته العربية.

وعليه، فإن غياب البدائل السياسية الجاهزة يجعل نجاح الشرع في إدارة المرحلة الراهنة ضرورة استراتيجية بالنسبة للغرب، لأن إخفاقه قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتجاوز آثارها الحدود السورية.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT