عامٌ على جلسة 7 آب.. "اشتقنا للدولة"
نادر حجاز
8/7/2026 12:58:09 PM
مرّ عامٌ على قرارات الحكومة الصادرة في 5 و7 آب 2025، التي طوت عقودًا من انكسار الدولة منذ اتفاق القاهرة عام 1969، وإضعاف السلطة المركزية لمصلحة دويلات الطوائف والأحزاب. فكانت النتيجة حربًا أهلية غيّرت وجه البلد، ولم تنتهِ فعليًا مطلع التسعينيات، بعدما أبقت الدولة رهينةً لا تملك قرارها.
لم يكن أمام الدولة، عشية الجلستين الشهيرتين، كثيرٌ من الخيارات. فقد كانت ورقة المبعوث الأميركي توم باراك واضحة: المطلوب أولًا طيّ صفحة السلاح، على أن تأتي بعدها سائر الملفات، السياسية والمالية والاقتصادية وغيرها.
شكّلت قرارات آب نقلةً نوعية في أداء الدولة، لجهة تكريس احتكارها للسلاح واعتبار أي سلاح خارج إطارها غير شرعي. لكن، هل نجحت فعلًا، خلال عام، في فرض هيبتها وحصر السلاح بيد الشرعية؟
يوضح الكاتب السياسي علي الأمين، في حديث لموقع MTV، أنه “لا يمكن النظر إلى قرار الحكومة اللبنانية برفع الشرعية عن سلاح حزب الله إلا باعتباره قرارًا سياديًا جريئًا ينهي الالتباس القائم حول سلاح الحزب وشرعيته، وهو الالتباس الذي ظلّ موضع جدل وأخذٍ وردّ على المستوى اللبناني. وبالتالي، فإن جوهر هذا القرار التاريخي هو رفع الشرعية عن أي سلاح خارج إطار الدولة، بما يعني أنه لا شرعية لأي سلاح في لبنان سوى سلاح السلطة اللبنانية”.
لكن ماذا حققت الدولة اللبنانية من هذا القرار؟
يجيب الأمين: “لم يكن أحد يراهن على أن السلطة اللبنانية ستكون قادرة على تنفيذ هذا القرار عمليًا فور صدوره، والجميع يدرك أن ثمة عقبات عدة تعترض تنفيذه الكامل. بعضها مرتبط بالداخل اللبناني، وتحديدًا بحزب الله وإصراره على التمسك بالسلاح واستعداده لمواجهة أي محاولة لنزعه، ولو بالتهديد بالحرب. وبعضها الآخر مرتبط باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، فضلًا عن استمرار الاحتلال”.
وفي هذا السياق، يُشار إلى أن الحكومة حاولت الإمساك بزمام المبادرة، فأقرّت خطة الجيش لنزع السلاح على مراحل، وأعلنت مطلع عام 2026 أن منطقة جنوب الليطاني أصبحت خالية تمامًا من السلاح. لكن تبيّن لاحقًا أن الواقع مختلف، بعدما أطلق “الحزب” ستة صواريخ، في 2 آذار، قال إنها جاءت ثأرًا للمرشد الإيراني آية الله خامنئي، ما أشعل حربًا جديدة أكدت أن خطة الجنوب لم تحقق أهدافها، وأن “الحزب” كان قد أعاد، على مدى 15 شهرًا، بناء قدراته والتحصّن في مراكزه.
ودفعت هذه الحرب الحكومة إلى اتخاذ قرارات مكمّلة لجلستي آب، فأعلنت حظر العمل العسكري لحزب الله، وتمسكت بأنها صاحبة قرار الحرب والسلم، وبالتالي صاحبة قرار التفاوض أيضًا. ورفضت أن تفاوض إيران نيابة عنها في إسلام آباد، لتُطلق مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل، الذي بدأ في واشنطن وانتقل لاحقًا إلى روما.
ويعتبر الأمين أن قرار 7 آب مهّد لدخول لبنان في مفاوضات ثنائية مع إسرائيل، إذ بات لبنان يؤكد أنه صاحب القرار السيادي، وهو من يفاوض عن نفسه. ويشير إلى أن هذا الأمر لم يكن قائمًا طوال العقود الماضية، إذ كانت الدولة اللبنانية بعيدة عن المفاوضات التي كانت تُدار عمليًا بين الراعي الإقليمي، سوريا في مرحلة، وإيران في مرحلة أخرى، وبين حزب الله بوصفه امتدادًا لهاتين الوصايتين.
ويضيف: “إن حصرية السلاح لا تقتصر على السلاح بحد ذاته، بل تتعلق بهيبة الدولة وسلطتها، وهي هيبة يمكن تكريسها تدريجيًا وعلى مراحل، بما يشمل مختلف المناطق جغرافيًا. كما ترتبط بالقرارات التي تتخذها الدولة وآليات تنفيذها، خصوصًا في ما يتعلق بالمناطق التي تحولت إلى جزر أمنية خارجة عن سلطة القانون. وينطبق ذلك أيضًا على مدينة بيروت، التي يمكن أن تُعلن مدينة خالية من السلاح، بما يشكل نموذجًا عمليًا لتجسيد هيبة الدولة وسيادتها”.
ويتابع: “هناك تقصير في هذا المجال، ولا بد للحكومة من أن تُظهر جديتها عبر خطوات عملية على الأرض، تعطي المواطنين انطباعًا بأنها الطرف الأقوى في المعادلة اللبنانية، وأنها فوق الميليشيات والأحزاب والسلطات المافيوية التي تسيطر على الشوارع وتصادر الأملاك العامة والأرصفة. فهذه مؤشرات يلمسها الناس مباشرة عندما يرون أن القانون يُطبَّق على الجميع، وأن الدولة تواجه المافيات المتنوعة، سواء في الكهرباء أو المياه أو غيرهما من القطاعات التي صادرتها وتبتز بها المواطنين والدولة”.
ويخلص الأمين إلى القول: “يمكن الحديث عن تقصير السلطة في المبادرة بما يكفي لفرض هيبتها في أكثر من منطقة. لكن، في المحصلة، نحن أمام قرار مهم يتمثل في رفع الشرعية عن السلاح، وقرار أهم يتمثل في إمساك لبنان بورقة التفاوض، وهو ما جاء نتيجة مباشرة لقراري 5 و7 آب. وبالتأكيد، لا تزال هناك تحديات كبيرة تتعلق بتنفيذ هذا القرار، الذي لا يفترض أن يكون عسكريًا أو قائمًا على القوة فقط، بل أيضًا من خلال إظهار الدولة للمواطن اللبناني أنها حاضرة وقادرة على فرض وجودها، ليس أمنيًا وعسكريًا فحسب، بل أيضًا تنمويًا وإنمائيًا، وبكل ما يرمز إلى حضورها في مختلف المجالات”.
تواجه الحكومة اليوم التحدي الأكبر لإثبات جديتها في تنفيذ قراراتها، على مستوى جميع أشكال السلاح غير الشرعي، وصولًا إلى المخيمات الفلسطينية، حيث بقيت عمليات سحب السلاح حتى الآن في إطارها الرمزي.
فهل تنجح الدولة هذه المرة في فرض هيبتها، أمنيًا كما إنمائيًا وخدماتيًا؟ وهل تتمكن من منع إدخال لبنان مجددًا في حروب الآخرين على حساب شعبه؟ وهل تنجح الدبلوماسية، ولو لمرة، في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي واستعادة الجنوب؟
لأننا، بكل ما للكلمة من معنى، "اشتقنا للدولة".