عملية بنغازي والساحل: كيف تحوّل تحرير الرهينة الأميركي إلى ورقة حفتر للعبور نحو واشنطن؟
8/16/2026 1:58:03 PM
لم تكن العملية الأمنية الليبية المعقّدة التي أدت إلى تحرير المبشر والطيار الأميركي كيفن رايدوت (Kevin Rideout) مجرد إنجاز أمني خاطف، بل فتحت الباب أمام تحول جيوسياسي غير مسبوق في موازين القوى والنفوذ بين شمال أفريقيا ودول الساحل.
تكشف معلومات خاصة بموقع MTV أن العملية نسّقها وأدار تفاصيلها ميدانياً واستخباراتياً الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية (القيادة العامة). وتؤكد مصادر MTV أن عملية التحرير لم تكن نتاج صدفة، بل جاءت بعد تتبع استخباراتي دقيق عبر شبكات معقدة امتدت من النيجر، حيث اختُطف رايدوت، مروراً بمعاقل التنظيمات المتطرفة في مالي، وصولاً إلى إدارة ساعة الصفر وإجلاء الرهينة بنجاح إلى بنغازي ومنها إلى الرعاية الأميركية.
هذا المسار المعقد يُظهر أن قيادة شرق ليبيا باتت تتمتع بقدرة استثنائية على النفوذ والوصول والتفاوض والتأثير في العمق الأفريقي، متجاوزة الحدود الجغرافية التقليدية لليبيا. وهنا يبرز السؤال الاستراتيجي الأهم: هل بدأت بنغازي بسحب بساط الدور التاريخي الذي لعبته الجزائر لعقود في الساحل الافريقي؟
لطالما احتكرت الجزائر ملفات إدارة شبكات القبائل الصحراوية، المفاوضات المعقدة مع الجماعات المسلحة، وإطلاق سراح الرهائن. غير أن دخول القيادة العامة بقيادة صدام حفتر على خط هذه الملفات الحساسة يفتح الباب واسعاً أمام إعادة رسم خريطة الخيارات الأمنية الدولية في المنطقة، مصدّراً بنغازي كشريك أمني لا غنى عنه في ملف مكافحة الإرهاب مع واشنطن والعواصم الغربية.
التوقيت السياسي للعملية يزيد من دلالاتها الاستراتيجية. فالعملية تأتي عقب الزيارة اللافتة التي قام بها صدام حفتر إلى واشنطن ولقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية. وتسير هذه التطورات بالتوازي مع التسريبات المتعلقة بالمبادرة الأميركية المطروحة لتوحيد السلطة في ليبيا، والتي تنص صيغتها المقترحة على وضع صدام حفتر على رأس المجلس الرئاسي أو الهيكل الرئاسي الموحد، مقابل بقاء عبد الحميد الدبيبة على رأس الحكومة.
تعكس هذه القراءة الاستراتيجية أن الإدارة الأميركية لم تعد تنظر إلى معسكر بنغازي كقوة عسكرية محلية تسيطر على الشرق والجنوب الليبي فحسب، بل كشريك سياسي وأمني يعتمد عليه على مستوى الدولة بأكملها والإقليم.
تأتي عملية تحرير كيفن رايدوت لتمنح قيادة شرق ليبيا ورقة قوة ثقيلة أمام واشنطن، خاصة في ظل تصاعد المخاوف الأميركية والدولية من تمدد تنظيم "داعش" (ISIS/ISSP) والانفلات الأمني في منطقة الساحل والصحراء. لقد أثبتت بنغازي أن لديها الأرض والقوة، وأنها تملك شبكات أمنية واستخباراتية قادرة على اختراق أكثر الجغرافيات خطورة في أفريقيا.
في النهاية، تثبت عملية رايدوت أن الأهمية لا تكمن فقط في هوية من تم تحريره، بل في الطرف الذي أثبت قدرته الميدانية والاستخباراتية على الوصول إليه وتحريره، مما يحوّل بنغازي تدريجياً من لاعب إقليمي إلى بوابة أمنية واستراتيجية رئيسية بين واشنطن والقارة الافريقية.