من أثينا إلى بيروت... لماذا تختار الدّول "العفو"؟
8/17/2026 6:39:21 AM
لطالما ارتبط قرار "العفو العام" في مُختلف بلدان العالم بوجهين. وجهٌ يفتح أبواب السّجون، وآخر يفتح أبواباً أوسع من الأسئلة. فمن يستحقّ أن تبدأ معه الدولة صفحة جديدة؟ وأين تنتهي المُصالحة ويبدأ الإفلات من العقاب؟ ومع إقرار قانون العفو العام في لبنان، عاد هذا الجدل إلى الواجهة، لكنّه ليس لبنانيّاً حصراً. فمِن الحروب الأهليّة إلى الانقسامات السياسيّة وأزمات السّجون، لجأت دولٌ كثيرة عبر التاريخ إلى العفو بالرّغم من اختلاف الأسباب والنّتائج.
من عفو الحرب إلى عفو 2026... ثلاث محطات لبنانيّة
لم يكن إقرار العفو العام أخيراً سابقة في تاريخ لبنان. ففي العقود الأخيرة، لجأت الدّولة إلى العفو في ثلاث محطّات أساسيّة، اختلفت ظروفها والفئات المُستفيدة منها، ولكنّها جاءت جميعها في مراحل سياسيّة وأمنيّة حسّاسة.
المحطّة الأولى كانت عام 1991، بعد انتهاء الحرب الأهليّة، فمع دخول لبنان مرحلة ما بعد اتّفاق الطّائف، صدر القانون رقم 84 في 26 آب 1991، مانحاً عفواً واسعاً عن الجرائم السياسيّة والجرائم المُرتكبة خلال سنوات الحرب قبل 28 آذار من العام نفسه مع استثناءات.
المحطّة الثانية جاءت عام 2005، ولكن في ظروفٍ مُختلفة تماماً. كان لبنان يعيشُ واحدة من أكبر التحوّلات السياسيّة منذ نهاية الحرب: اغتيال رئيس الحكومة الشّهيد رفيق الحريري في شباط، خروج الجيش السّوري من لبنان في نيسان، انتخابات نيابيّة وتبدّلٌ كبير في موازين القوى الداخليّة.
وفي خضمّ هذه المرحلة، صدر القانون رقم 677 في 19 تموز 2005. ولم يكن نسخةً عن العفو الشّامل لعام 1991، بل تناول ملفات محددة شكّلت لسنوات موضع انقسام سياسي.
ومن أبرز نتائجه الإفراج عن رئيس حزب "القوات اللبنانيّة" سمير جعجع، الذي كان قد أمضى أكثر من 11 عاماً في السّجن، إضافةً إلى شمول مجموعات من الموقوفين والمحكومين على خلفيّة أحداث الضنيّة ومواجهات أخرى.
أما المحطّة الثّالثة فهي عفو 2026، وهذه المرّة الظروف مُختلفة. فلبنان يواجه أزمة من نوعٍ آخر: اكتظاظٌ كبير في السّجون، بطءٌ في المحاكمات، توقيفات طويلة، وأوضاعٌ قضائيّة واجتماعيّة وأمنيّة تراكمت على مدى سنوات.
وبذلك، تكشف المحطات الثلاث تطوراً لافتاً في وظيفة العفو في لبنان، فعام 1991 كان المطلوب طيّ صفحة الحرب، وفي 2005 طيّ بعض ملفّات المرحلة السوريّة، أما في 2026 فالمطلوب مُعالجة جزء من أزمة قضائيّة وسجنيّة متراكمة.
إسبانيا 2024... عفو أم صفقة سياسيّة؟
في حزيران 2024، دخل قانون العفو الخاصّ بكاتالونيا حيّز التنفيذ، وشمل أفعالاً مرتبطة بمسار الانفصال، ولا سّيما محاولة الانفصال عام 2017. وقدّمته السلطات كخطوة للمصالحة وإنهاء سنوات من التوتّر بين مدريد والانفصاليّين، فيما اعتبره معارضوه تنازلاً سياسيّاً مرتبطاً بحاجة حكومة بيدرو سانشيز إلى دعم الأحزاب الكاتالونية. وفي حزيران 2025، أيّدت المحكمة الدستورية جوهر العفو، مع اعتبار بعض موادّه غير دستوريّة.
جنوب أفريقيا... لا عفوَ من دون حقيقة
أما جنوب أفريقيا فقدّمت واحداً من أشهر النّماذج الحديثة بعد سقوط نظام الفصل العنصريّ. وبدلاً من محاكمة جميع المسؤولين عن انتهاكات حقبة الأبارتهايد، أو منحهم عفواً شاملاً بلا شروط، أنشأت البلاد "لجنة الحقيقة والمصالحة" بموجب قانون عام 1995.
وكانت المعادلة منح العفو عن أفعال مُرتبطة بهدفٍ سياسي، ولكن بعد الكشف الكامل عن الوقائع ذات الصّلة، فيما عملت اللّجنة أيضاً على الاستماع إلى الضحايا وتحديد مصيرهم والتّوصية بالتعويضات. وهنا حاولت جنوب أفريقيا الفصل بين أمرين، العقاب والحقيقة.
من أثينا بدأت الحكاية...
لكن فكرة العفو أقدم بكثير من الدول الحديثة. فأحد أشهر نماذجها يعود إلى أثينا عام 403 قبل الميلاد، بعد سقوط حكم "الطغاة الثلاثين" وعودة الدّيمقراطية.
في مجتمع أنهكته الصّراعات، جرى اعتماد تسوية هدفت إلى منع مُلاحقة واسعة للخصوم على أفعال الماضي، باستثناء حالات مُحدّدة، خوفاً من أن تتحوّل المُحاسبة إلى دورة جديدة من الانتقام والصّراع الداخلي.
من أثينا إلى جنوب أفريقيا وإسبانيا ولبنان، اختلفت الظّروف وبقي العفو مخرجاً تلجأ إليه الدّول عندما تُصبح كلفة الأزمة أكبر من كلفة تسويتها. أمّا في لبنان، فيبقى السّؤال: هل تُعالج الدّولة هذه المرّة الأسباب التي أوصلتها إلى العفو، أم تنتظر أزمات جديدة... وعفواً جديداً؟
من عفو الحرب إلى عفو 2026... ثلاث محطات لبنانيّة
لم يكن إقرار العفو العام أخيراً سابقة في تاريخ لبنان. ففي العقود الأخيرة، لجأت الدّولة إلى العفو في ثلاث محطّات أساسيّة، اختلفت ظروفها والفئات المُستفيدة منها، ولكنّها جاءت جميعها في مراحل سياسيّة وأمنيّة حسّاسة.
المحطّة الأولى كانت عام 1991، بعد انتهاء الحرب الأهليّة، فمع دخول لبنان مرحلة ما بعد اتّفاق الطّائف، صدر القانون رقم 84 في 26 آب 1991، مانحاً عفواً واسعاً عن الجرائم السياسيّة والجرائم المُرتكبة خلال سنوات الحرب قبل 28 آذار من العام نفسه مع استثناءات.
المحطّة الثانية جاءت عام 2005، ولكن في ظروفٍ مُختلفة تماماً. كان لبنان يعيشُ واحدة من أكبر التحوّلات السياسيّة منذ نهاية الحرب: اغتيال رئيس الحكومة الشّهيد رفيق الحريري في شباط، خروج الجيش السّوري من لبنان في نيسان، انتخابات نيابيّة وتبدّلٌ كبير في موازين القوى الداخليّة.
وفي خضمّ هذه المرحلة، صدر القانون رقم 677 في 19 تموز 2005. ولم يكن نسخةً عن العفو الشّامل لعام 1991، بل تناول ملفات محددة شكّلت لسنوات موضع انقسام سياسي.
ومن أبرز نتائجه الإفراج عن رئيس حزب "القوات اللبنانيّة" سمير جعجع، الذي كان قد أمضى أكثر من 11 عاماً في السّجن، إضافةً إلى شمول مجموعات من الموقوفين والمحكومين على خلفيّة أحداث الضنيّة ومواجهات أخرى.
أما المحطّة الثّالثة فهي عفو 2026، وهذه المرّة الظروف مُختلفة. فلبنان يواجه أزمة من نوعٍ آخر: اكتظاظٌ كبير في السّجون، بطءٌ في المحاكمات، توقيفات طويلة، وأوضاعٌ قضائيّة واجتماعيّة وأمنيّة تراكمت على مدى سنوات.
وبذلك، تكشف المحطات الثلاث تطوراً لافتاً في وظيفة العفو في لبنان، فعام 1991 كان المطلوب طيّ صفحة الحرب، وفي 2005 طيّ بعض ملفّات المرحلة السوريّة، أما في 2026 فالمطلوب مُعالجة جزء من أزمة قضائيّة وسجنيّة متراكمة.
إسبانيا 2024... عفو أم صفقة سياسيّة؟
في حزيران 2024، دخل قانون العفو الخاصّ بكاتالونيا حيّز التنفيذ، وشمل أفعالاً مرتبطة بمسار الانفصال، ولا سّيما محاولة الانفصال عام 2017. وقدّمته السلطات كخطوة للمصالحة وإنهاء سنوات من التوتّر بين مدريد والانفصاليّين، فيما اعتبره معارضوه تنازلاً سياسيّاً مرتبطاً بحاجة حكومة بيدرو سانشيز إلى دعم الأحزاب الكاتالونية. وفي حزيران 2025، أيّدت المحكمة الدستورية جوهر العفو، مع اعتبار بعض موادّه غير دستوريّة.
جنوب أفريقيا... لا عفوَ من دون حقيقة
أما جنوب أفريقيا فقدّمت واحداً من أشهر النّماذج الحديثة بعد سقوط نظام الفصل العنصريّ. وبدلاً من محاكمة جميع المسؤولين عن انتهاكات حقبة الأبارتهايد، أو منحهم عفواً شاملاً بلا شروط، أنشأت البلاد "لجنة الحقيقة والمصالحة" بموجب قانون عام 1995.
وكانت المعادلة منح العفو عن أفعال مُرتبطة بهدفٍ سياسي، ولكن بعد الكشف الكامل عن الوقائع ذات الصّلة، فيما عملت اللّجنة أيضاً على الاستماع إلى الضحايا وتحديد مصيرهم والتّوصية بالتعويضات. وهنا حاولت جنوب أفريقيا الفصل بين أمرين، العقاب والحقيقة.
من أثينا بدأت الحكاية...
لكن فكرة العفو أقدم بكثير من الدول الحديثة. فأحد أشهر نماذجها يعود إلى أثينا عام 403 قبل الميلاد، بعد سقوط حكم "الطغاة الثلاثين" وعودة الدّيمقراطية.
في مجتمع أنهكته الصّراعات، جرى اعتماد تسوية هدفت إلى منع مُلاحقة واسعة للخصوم على أفعال الماضي، باستثناء حالات مُحدّدة، خوفاً من أن تتحوّل المُحاسبة إلى دورة جديدة من الانتقام والصّراع الداخلي.
من أثينا إلى جنوب أفريقيا وإسبانيا ولبنان، اختلفت الظّروف وبقي العفو مخرجاً تلجأ إليه الدّول عندما تُصبح كلفة الأزمة أكبر من كلفة تسويتها. أمّا في لبنان، فيبقى السّؤال: هل تُعالج الدّولة هذه المرّة الأسباب التي أوصلتها إلى العفو، أم تنتظر أزمات جديدة... وعفواً جديداً؟