خسائر الجنوب تتجاوز الدمار... 1.3 مليار دولار لا تكفي
9/1/2026 6:47:51 AM
رماح هاشم - نداء الوطن
إعادة الإعمار رهينة الاستقرار
لم يعد حجم الخسائر التي تكبّدها الجنوب اللبناني يُقاس بكلفة الأبنية والممتلكات المدمّرة فقط، إذ إن تداعيات الحرب أصابت بنية الاقتصاد المحلي وقطعت جزءًا كبيرًا من الدورة الإنتاجية، من الزراعة والتجارة إلى الصناعة والخدمات. ومع تقديرات الأضرار المباشرة التي تلامس 1.3 مليار دولار، تبدو الكلفة الفعلية أوسع بكثير، بعدما أضيفت إليها خسائر الإنتاج والدخل وفرص العمل وتعطّل المؤسسات والمواسم الزراعية، في منطقة يشكّل اقتصادها المحلي ركيزة أساسية لمعيشة آلاف العائلات.
لا ترتبط إعادة إطلاق اقتصاد الجنوب بالتمويل وإعادة الإعمار وحدهما، بل تتوقف قبل ذلك على توافر الاستقرار الأمني والسياسي القادر على إعادة بناء الثقة. فاستقطاب الاستثمارات وإعادة أموال المغتربين وتشغيل المؤسسات تتطلب بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ، فيما يشكّل استمرار السلاح خارج إطار الدولة، وفق مقاربة حكيم، عائقًا أمام الاستثمارات الطويلة الأمد. ومن هنا، تصبح إعادة إعمار الجنوب معركة اقتصادية متكاملة، لا تنجح بإعادة بناء الحجر ما لم تترافق مع استعادة الأمن والثقة ودورة الإنتاج.
يرسم وزير الاقتصاد والتجارة السابق ألان حكيم صورة تتجاوز بكثير حجم الأضرار اللاحقة بالأبنية والممتلكات عند الحديث عن خسائر الجنوب اللبناني، مؤكدًا لـ "نداء الوطن"، أن "مقاربة حجم الكارثة لا يمكن أن تقتصر على كلفة الحجر وإعادة البناء، بل يجب أن تشمل الخسائر الاقتصادية والإنتاجية والاجتماعية التي أصابت المنطقة وأوقفت جزءًا كبيرًا من نشاطها".
ويشير حكيم إلى أن "الأرقام الأخيرة المتعلقة بالأضرار في منطقة جنوب الليطاني تُقدّر بنحو 1.3 مليار دولار"، لافتًا إلى أن "نحو 11 ألف مبنى تضررت أو دُمّرت. وفي المقابل، يقدّر البنك الدولي الكلفة الاقتصادية الإجمالية للحرب على لبنان بأكثر من 14 مليار دولار، فيما تبلغ الحاجة الملحّة لبدء مرحلة التعافي وإعادة الإعمار نحو 11 مليار دولار".
الخسائر لا تُختزل بالحجر
لكن حكيم يشدد على أن "مقاربة خسائر الجنوب لا يجب أن تقتصر على كلفة المباني المدمّرة"، موضحًا أن "الرقم المتداول والبالغ نحو 1.3 مليار دولار لا يكفي وحده لتحديد الحجم الفعلي للخسائر".
ويقول إن "هناك كلفة مباشرة للدمار، تقابلها كلفة اقتصادية وإنتاجية لا تقل أهمية، تتمثل في توقف النشاط الاقتصادي وخسائر الدخل وفرص العمل، وتراجع الحركة الزراعية والتجارية، إلى جانب تداعيات النزوح وتعطّل الحركة الاقتصادية في عدد كبير من المناطق الجنوبية".
ويعتبر أن "التقدير الدقيق للخسائر يفرض احتساب الخسائر الإنتاجية التي تكبدها الجنوب، إذ لا يمكن قياس حجم الضرر بعدد الأبنية التي دُمّرت فقط، بل أيضاً بحجم المؤسسات التي توقفت، والأعمال التي تعطلت، وفرص العمل التي فُقدت، والدخل الذي انقطع عن آلاف العائلات".
الجنوب اقتصاد قائم بذاته
ويؤكد حكيم أن قطاعات السكن والبنية التحتية كانت في مقدمة القطاعات المتضررة، إلا أن الخطر الأكبر، بحسب قوله، يمتد إلى الزراعة والتجارة والصناعة والخدمات.
فالجنوب، كما يلفت، ليس "مجرد منطقة سكنية، بل اقتصاد قائم بذاته، يرتكز بصورة أساسية على الأرض والزراعة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتجارة، إلى جانب الاغتراب والسياحة".
ويرى أن "الخسارة الأكبر قد لا تكون في المباني التي يمكن إعادة تشييدها، بل في المؤسسات التي أقفلت أبوابها، والمزارعين الذين خسروا مواسمهم، والشباب الذين اضطروا إلى الهجرة، فضلا عن رأس المال الاغترابي الذي قد لا يعود للاستثمار في المنطقة".
ويشدد على أن "التعامل مع الجنوب بمنطق إعادة بناء الحجر فقط لا يكفي، إذ إن المطلوب هو إعادة بناء اقتصاد منتج وقادر على تحقيق مستويات إنتاجية عاليةط. ويضيف أن "إعادة الإعمار يجب أن تشمل الإنسان والإنتاج ورأس المال الاغترابي، ضمن إطار نهضة اقتصادية حقيقية، لأن إعادة تشييد الأبنية وحدها لن تكون كافية لاستعادة دورة الحياة الاقتصادية في المنطقة".
الاستثمار يحتاج إلى استقرار
ويتوقف حكيم عند مسألة الاستثمار، معتبرًا أن "إعادة تحريك الاقتصاد الجنوبي واستقطاب رؤوس الأموال يرتبطان بصورة مباشرة بتوفير بيئة مستقرة وآمنة".
ويشدد على أنه "لا يمكن الحديث عن استثمارات جدية وطويلة الأمد في الجنوب في ظل وجود سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية والجيش اللبناني"، متسائلا "كيف يمكن للمستثمر أن يضخ أمواله في مشروع إذا لم يكن مطمئنًا إلى استمراريته وقدرته على تحقيق مردود مستدام".
ومن هذا المنطلق، يرى أن "الاستقرار الأمني وحصرية السلاح بيد الدولة يشكلان شرطًا أساسيًا لاستعادة ثقة المستثمرين وتشجيع رؤوس الأموال على العودة إلى الجنوب. فالمستثمر يحتاج إلى بيئة واضحة ومستقرة تتيح له التخطيط لمشاريعه على المدى الطويل، بعيداً من المخاطر وعدم اليقين".
الاستثمار في مستقبل الجنوب
ويؤكد حكيم أن "الجنوب يحتاج إلى استثمارات على أكثر من مستوى. المستوى الأول يتمثل في إعادة بناء الأبنية والمنازل والبنى التحتية، فيما يركز المستوى الثاني على إنقاذ الاقتصاد المحلي من خلال تمويل المؤسسات الصغيرة والمزارعين، وإعادة تشغيل المصانع والورش".
أما المستوى الثالث، فيتمثل، بحسب حكيم، في "الاستثمار في مستقبل الجنوب لا في ماضيه، من خلال إنشاء صندوق استثماري وتمويل مشاريع إنتاجية جديدة تشمل الزراعة الحديثة، والتصنيع الغذائي، والطاقة، والخدمات الرقمية، والسياحة، فضلا عن المشاريع المرتبطة بالاغتراب اللبناني".
ويعتبر أن "المطلوب ليس العودة إلى النموذج الاقتصادي السابق نفسه، بل إطلاق مرحلة جديدة تفتح المجال أمام قطاعات أكثر إنتاجية وقدرة على خلق فرص العمل واستقطاب رؤوس الأموال، بما يسمح بتحويل إعادة الإعمار من عملية ترميم للدمار إلى مشروع اقتصادي متكامل".
الدولة وحدها لا تستطيع
ويؤكد حكيم أن "إعادة الإعمار لا يمكن أن تقوم على انتظار الدولة اللبنانية وحدها"، مشيرًا إلى أن "الدولة لا تمتلك بمفردها القدرة المالية اللازمة لتمويل حجم الاحتياجات القائمة".
ويضيف أن "الحاجة إلى نحو 11 مليار دولار، وفق تقديرات البنك الدولي، تعكس حجم الفجوة التمويلية المطلوبة لبدء مرحلة التعافي، ما يجعل استقطاب الاستثمارات الخاصة والتمويل الخارجي أمرًا ضروريًا".
لذلك، يدعو إلى "اعتماد هندسات مالية جديدة تجمع بين المنح الدولية، والقروض الميسّرة، والضمانات الدولية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب استقطاب أموال المغتربين وتوظيفها في مشاريع إنتاجية واستثمارية".
ويشدد حكيم في هذا السياق على أن "الشفافية والإدارة الرشيدة تشكلان شرطًا أساسيًا لإنجاح أي خطة لإعادة الإعمار"، مؤكدًا "ضرورة أن يكون مصدر كل دولار يدخل إلى الجنوب معروفًا وواضحًا، وأن يخضع الإنفاق لآليات شفافة للمراقبة والمساءلة".
ويختم بالتأكيد على أن "إعادة إعمار الجنوب ليست مجرد ورشة باطون أو عملية لإعادة تشييد الأبنية، بل هي فرصة لإعادة بناء الاقتصاد والدولة والثقة". فالرهان الحقيقي، بحسب حكيم، "لا يجب أن يقتصر على إعادة ما تهدّم، بل على بناء اقتصاد جديد قادر على الإنتاج، وخلق فرص العمل، واستعادة الاستثمارات، وتأمين مقومات النهوض المستدام للجنوب".
إعادة إعمار الجنوب لن تكون مهمة مالية وتقنية فحسب، بل اختبارًا لقدرة لبنان على تحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى مسار اقتصادي مستدام. فالأموال الدولية والمساعدات والاستثمارات الخاصة يمكن أن تموّل إعادة البناء، لكنها لن تضمن وحدها عودة الاقتصاد إلى العمل. المطلوب بيئة مستقرة تحمي الاستثمار، ودولة قادرة على فرض قواعد واضحة، وإدارة شفافة تمنع هدر التمويل، إلى جانب خطة تعيد تنشيط القطاعات الإنتاجية وتخلق فرص العمل. أما إعادة تشييد الأبنية من دون استعادة الثقة والاستقرار، فقد تعيد بناء الجنوب شكلا، لكنها لن تعيد إليه اقتصاده ولا قدرته على النهوض.