أمن الدولة... التعاون بين الأجهزة مسؤولية وفق الاصول وليس استعراضا

9/3/2026 7:31:48 PM



في وقت تتصدر فيه ملفات الفساد النقاش العام في لبنان، تكشف متابعة البيانات الرسمية والتغطيات الصحافية على مدى الأشهر الماضية أن المديرية العامة لأمن الدولة، بقيادة اللواء الركن إدكار لاوندس، لم تكتفِ برفع شعار مكافحة الفساد، بل ترجمته إلى سلسلة عمليات ميدانية موثّقة طالت قطاعات حيوية متعددة: في المرفأ، وقطاع المولدات الكهربائية، والأمن الغذائي والاقتصادي، وقطاع الصحة العامة، وصولاً إلى كشف عصابات تهريب الأشخاص، والتي كان آخرها توقيف شخص كان بصدد تهريب 25 شخصاً من الجنسية السورية إلى قبرص. إن هذا النهج أرساه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون شخصياً مع اللواء الركن لاوندس، في جعل عمل أمن الدولة أساسياً في مكافحة الفساد داخل الإدارات والمؤسسات العامة، بما يعكس متابعة على أعلى مستوى لهذا الملف بوصفه أولوية وطنية لا شأناً داخلياً للمديرية وحدها.

من المرفأ إلى المولدات: خط عمل واحد

في مرفأ بيروت، لم تمرّ الأعطال المتكررة في أنظمة الخوادم مرور الكرام. فبعد أن لاحظ مكتب أمن الدولة في المرفأ تعطلاً متكرراً في العمل، فتح تحقيقاً بالتنسيق مع إدارة المرفأ الحالية شمل مراجعة العقود المرتبطة بالتشغيل، وانتهى بتكليف خبير معلوماتية بيّن وجود تقادم في المعدات وخلل في تصميم الشبكة والتطبيقات. النتيجة لم تكن تقريراً يوضع على الرف، بل تم فسخ العقود على مسؤولية الشركة المتعاقدة، التي أعادت إلى الخزينة العامة مبلغاً يقارب 82,580 دولاراً أميركياً وتنازلت عن مستحقاتها، قبل أن يُحال الملف إلى النيابة العامة المالية لاستكمال الإجراءات.

وفي الشهر نفسه تقريباً، لم يكتفِ مكتب المرفأ بملاحقة العقود، بل توسّع إلى حماية مصالح المواطنين المباشرة؛ فبعد ورود معلومات عن قيام موظفين في إدارة عمليات مرفأ بيروت بابتزاز مخلّصي البضائع والتماس رشى مقابل تسهيل معاملاتهم، جرى التحقيق بالتنسيق مع النيابة العامة المالية، وانتهى الأمر بتوقيف ثلاثة موظفين بعدما أقرّ عدد من مخلّصي البضائع بتعرّضهم للابتزاز وعرقلة معاملاتهم.

الأمر نفسه تكرر خارج بيروت: ففي الشمال، نفّذت مديرية الشمال الإقليمية في أمن الدولة، بالتنسيق مع وزارتي الاقتصاد والطاقة وبناءً على إشارة القضاء المختص، سلسلة عمليات كشف طالت عشرات المولدات الكهربائية في طرابلس والميناء والقلمون والمنية، أسفرت عن مصادرة أكثر من عشرين مولداً لصالح البلديات المعنية وتنظيم عشرات محاضر الضبط بحق أصحاب المولدات المخالفين للتسعيرة الرسمية وشروط التشغيل. وفي محافظة الشمال أيضاً، طال العمل الأمن الغذائي مباشرة، حين جرى ختم خمسة مستودعات للحبوب غير المطابقة بالشمع الأحمر بالتنسيق مع وزارتي الصحة والاقتصاد.

وتكرّر هذا النهج في جبل لبنان، حيث أحبطت المديرية العامة لأمن الدولة عملية احتيال ونصب عقاري منظمة داخل الدوائر العقارية في قضاء المتن، قوامها استخدام سندات تمليك ("صك أخضر") مزوّرة بواسطة نسخ ملوّنة لانتزاع أملاك عقارية بطرق احتيالية، وأوقفت المتورطين في حالة تلبس داخل مبنى الدوائر العقارية نفسه.

هذا التتابع من العمليات، الممتد جغرافياً من بيروت والمرفأ إلى الشمال وجبل لبنان، والمتوسّع قطاعياً من التدقيق في عقود المرفأ إلى ضبط المولدات والمواد الغذائية وتزوير السندات العقارية وصولاً إلى التعاون الدولي في التحريات المالية ومكافحة تهريب الأشخاص، لا يُقرأ كحملة إعلامية موسمية، بل كنهج عمل متصل يستهدف مواطن الفساد وهدر المال العام أينما وُجدت، بمعزل عن حجم الملف أو المنطقة أو حساسية الجهة المعنية.

كما جدّد اللواء لاوندس، في تصريح لاحق، التزام المديرية بالاستمرار في مواجهة الاحتكار وما وصفه بجشع بعض أصحاب المولدات، بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد، مؤكداً أن لا مساومة على هذا الملف.

ملف حماية الشخصيات: مواجهة الواقع بدل إدارته

من الملفات الشائكة التي واجهها اللواء لاوندس مباشرة، ملف توزيع عناصر حماية الشخصيات، المنظّم بموجب المرسوم رقم 2512 لعام 2009، والذي حدّد بجداول واضحة الشخصيات المستحقة للحماية وعدد العناصر المخصصة لكل منها. غير أن التوسع التراكمي في منح موافقات إضافية عبر المجلس الأمني المركزي منذ عام 2009 أدى إلى استنزاف نحو ثلث القوى العاملة في أمن الدولة لصالح مهام الحماية الشخصية، على حساب المهام الجوهرية للمديرية.

وبدل ترك هذا الواقع يتفاقم بصمت، اختار اللواء لاوندس مقاربة مختلفة: عرض الأرقام والحقائق كما هي أمام النواب مباشرة، موضحاً أن انشغال هذا العدد الكبير من العناصر بحماية شخصيات سياسية وقضائية يُفقد المديرية جزءاً كبيراً من قدرتها على أداء مهامها الأساسية. هذا الطرح الصريح لاقى تجاوباً من عدد من النواب الذين دعوا إلى إعادة توزيع عناصر الحماية بعدالة وشفافية، فيما فضّل بعضهم الآخر التمسك بامتيازاتهم الشخصية على حساب الأولويات الوطنية.

وتتجه القيادة الحالية، بناءً على هذا الواقع، إلى اقتراح إلغاء الموافقات الاستثنائية للمجلس الأمني المركزي والعودة إلى تطبيق المرسوم بحرفيته، في خطوة تعيد الملف إلى إطاره القانوني الأصلي بدل تركه رهينة التوازنات والعلاقات.

التعاون بين الأجهزة والاصول المتعارف عليها

في السياق نفسه، أثار توقيف شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي لأحد عناصر أمن الدولة من المفرزة المخصصة لحماية الشخصيات، الموضوع بتصرف النائب جبران باسيل، عن طريق كمين نُفّذ بذريعة تواريه عن الأنظار، جدلاً، إلا أن الحقيقة هي أن مثل هذا الإجراء في ذاته لا ينتقص إطلاقاً من الدور الفعّال لأمن الدولة ولا من انضباطها الداخلي، فتطبيق القانون على أي عنصر أمني، أياً كانت جهته، هو مبدأ لا خلاف عليه.

إلا أن ما يستحق الملاحظة هو الشكل الذي جرت فيه المعالجة، فالأصول المتعارف عليها بين الأجهزة الأمنية اللبنانية تقضي بأن تلجأ أي جهة تنوي توقيف عنصر تابع لجهاز آخر إلى طلب المؤازرة عبر القنوات الرسمية، وتحديداً بالتنسيق مع مكتب المدير العام بما يتيح تنفيذ الإجراء بانضباط وبعيداً عن أي استعراض، مع الاشارة الى ان جهاز أمن الدولة اثبت انه يكافح الفساد والجريمة، واي خلل يقوم به احد عنصر يكون محور متابعة وتحقيق دون اي تغطية.

إن المعيار الحقيقي للتعاون بين الأجهزة الأمنية ليس في مَن يوقف أولاً أو مَن يظهر في الخبر، بل في مدى التزام كل جهاز بالقنوات المؤسساتية التي تحفظ للجميع كرامتهم المهنية وتصون وحدة العمل الأمني في مواجهة الفساد والجريمة على حد سواء.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT