لا تدعوا اتفاق السلام مع لبنان يثبت صحة موقف "حزب الله"

جان عزيز

9/17/2026 11:02:17 AM

بعد ستة أسابيع بالكاد على دخول لبنان وإسرائيل في الاتفاق الأكثر أهمية بينهما منذ عقود، بدأ المسار يتعثر بالفعل. فقد انتهت أحدث جولة من المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة في روما من دون اتفاق على توسيع نطاق «المناطق التجريبية» التي يُفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية وتتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة. وتطالب إسرائيل بأن يثبت الجيش اللبناني قدرته على فرض سيطرة فعّالة في المناطق التي تم تسليمها بالفعل، بالتوازي مع إحراز تقدم في نزع سلاح حزب الله، قبل أن تتخلى عن المزيد من الأراضي. أما لبنان، فيؤكد أن الجيش لا يستطيع الانتشار بشكل كامل في أراضٍ لا تزال القوات الإسرائيلية تحتلها.

وهذا يتجاوز كونه خلافاً على ترتيب الخطوات، إذ إنه تناقض يهدد المنطق السياسي للاتفاق برمّته.

كان من المفترض أن يتيح الإطار انتقالاً تدريجياً في جنوب لبنان: تنسحب القوات الإسرائيلية، ويوسّع الجيش اللبناني نطاق سلطته، ويعود المدنيون إلى بلداتهم، وتبدأ إعادة الإعمار، وتتعامل الدولة مع استمرار وجود أسلحة خارج سيطرتها. وكان يُفترض أن تجعل كل خطوة من هذه العملية الخطوة التالية أكثر قابلية للتحقق.

لكن إسرائيل تتعامل بصورة متزايدة مع الانسحاب على أنه أمر يتعيّن على لبنان أولاً أن «يستحقه» من خلال إثبات سيطرته على أراضٍ لا يملك السيطرة الكاملة عليها بعد. وفي المقابل، استمرت العمليات العسكرية. فقد قُتل جنديان إسرائيليان هذا الأسبوع في انفجار أثناء وجودهما داخل لبنان، أعقب ذلك شن إسرائيل غارات في أنحاء الجنوب؛ وسجلت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) 113 مقذوفاً إسرائيلياً خلال يوم واحد، وهو أعلى مستوى منذ 21 حزيران.

وهذه تحديداً هي الدينامية التي كان يفترض أن ينهيها الاتفاق.

ولهذا السبب أيضاً اكتسبت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في 21 تموز أهمية خاصة. فلم تكن أهمية الزيارة مرتبطة بمراسمها، بل لأنها بدت وكأنها أرست الدعم السياسي الأميركي اللازم لجعل عملية انتقال لبنانية شديدة الصعوبة أمراً ممكناً. وقد تعهّد الرئيس دونالد ترامب بأن تقدم الولايات المتحدة دعماً كبيراً للبنان، فيما سعى عون إلى استمرار الدعم الأميركي للجيش اللبناني وإلى ممارسة ضغوط باتجاه انسحاب إسرائيلي كامل.

وهذه التسوية تخضع للاختبار الآن.

يريد لبنان أن تبسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها، وأن يتولى الجيش اللبناني المسؤوليات الأمنية التي توزعت لعقود بين الدولة والجيوش الأجنبية والتنظيمات المسلحة. كما يريد معالجة مسألة سلاح حزب الله من خلال مسار يعيد في نهاية المطاف احتكار الدولة للقوة المسلحة.

لكن النوايا السياسية وحدها لا تستطيع تحقيق هذه النتيجة. فالدولة اللبنانية لا تستطيع أن تطلب من المجتمعات دعم نزع السلاح، في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية موجودة على الأراضي اللبنانية وتستمر العمليات العسكرية من حولها.

ومن هنا يجب أن يبدأ النقاش حول إنهاء الدور العسكري لحزب الله.

إن إنهاء الدور العسكري لا يعني ببساطة جمع الأسلحة. فمن الناحية السياسية والعملية، يعني ذلك إنهاء الوظيفة الحمائية التي لطالما قال حزب الله إن هذه الأسلحة تؤديها. وقد برر الحزب ترسانته على مدى سنوات، جزئياً، بالحجة القائلة إن الدولة غير قادرة على حماية الأراضي اللبنانية من إسرائيل أو إجبارها على الانسحاب من الأراضي المحتلة.

لذلك، فإن أي مسار جدي لإنهاء الدور العسكري لحزب الله يجب أن يتعامل مع هذه الحجة، لا أن يكتفي بإدانتها.

وهذا لا يمنح حزب الله حقاً غير محدود في الاحتفاظ ببنية مسلحة خارج سلطة الدولة. بل يعترف بأمر أكثر أساسية: إذا كانت الدولة اللبنانية ستستبدل منطق المقاومة المسلحة، فعليها أن تثبت أن مؤسسات الدولة قادرة على تحقيق النتائج الأمنية التي يقول منطق المقاومة إن الأسلحة الموجودة في يد حزب الله وحدها قادرة على توفيرها.

ويصبح ذلك أكثر صعوبة بكثير عندما يُجعل الانسحاب مشروطاً مسبقاً بخطوات لبنانية.

ومن هنا، فإن التسلسل الحالي يخاطر بتحويل الوضع إلى حلقة مفرغة. فإسرائيل تشير إلى سلاح حزب الله باعتباره سبباً للبقاء. وحزب الله يشير إلى استمرار الوجود الإسرائيلي باعتباره سبباً للاستمرار في حمل السلاح. وبين الطرفين، تقف الدولة اللبنانية مطالبة بتفكيك أحد طرفي المعادلة من دون أن تُمنح الوسائل لإزالة الطرف الآخر.

وإذا استمر ذلك، فإن الاتفاق لن يضعف سردية حزب الله حول المقاومة، بل سيزوّده بأدلة جديدة لدعمها.

الدولة مطالبة باستبدال أكثر من الأسلحة

لا يمكن لأي تقييم جدي لحزب الله أن يتعامل معه باعتباره مجرد مشكلة عسكرية خارجية تغذيها أطراف ثالثة.

فقد بُنيت قدراته على مدى عقود من خلال الدعم المالي والعسكري والأيديولوجي الإيراني، ولا سيما من الحرس الثوري الإسلامي. وربطت هذه العلاقة الأمن اللبناني باستراتيجية ردع إقليمية تتشكل إلى حد كبير خارج لبنان، وغالباً ما كانت لها عواقب مدمرة على البلاد.

لكن حزب الله أصبح أيضاً متجذراً في المجتمع اللبناني. فعلى مدى أربعة عقود، طوّر مؤسسات سياسية وشبكات اجتماعية وأنظمة للرعاية والحماية داخل مجتمعات كانت الدولة غالباً ضعيفة فيها أو غائبة. وقد دعم العديد من اللبنانيين، ولا سيما داخل الطائفة الشيعية، الحزب لأسباب أيديولوجية، ولكن أيضاً لأنه وفّر أشكالاً من الأمن والمساعدة لم تكن المؤسسات العامة قادرة على توفيرها.

وبالتالي، فإن أي انتقال جدي بعيداً من الدور المسلح لحزب الله يجب أن يمنح مؤيديه في الطائفة الشيعية الثقة بأن أمنهم ومكانتهم السياسية ومصالحهم الاجتماعية والاقتصادية لن تتراجع عندما يصبح سلاح الحزب جزءاً من الدولة.

وقد أقر الرئيس عون نفسه بهذا التعقيد. وهو أحد الأسباب التي تجعل القضية لا يمكن اختزالها ببساطة في أمر بتسليم السلاح.

بدلاً من ذلك، يحتاج لبنان إلى عملية شاملة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. والهدف ليس الحفاظ على الاستقلالية العسكرية لحزب الله تحت مسمى آخر، بل ضمان أن يؤدي إنهاء هذه الاستقلالية إلى تعزيز الجمهورية بدلاً من إنتاج دورة جديدة من عدم الاستقرار.

وهذا يعني توفير الظروف التي تستطيع فيها مؤسسات الدولة فعلياً أن تحل محل الوظائف التي أدتها الهياكل الموازية.

فالمقاتل الذي يغادر تنظيماً مسلحاً يحتاج إلى مستقبل مدني موثوق. والمجتمعات التي اعتمدت على مؤسسات مرتبطة بحزب الله تحتاج إلى خدمات عامة فاعلة وحكم محلي قادر على العمل. والبلدات الجنوبية التي دمرتها الحروب مراراً تحتاج إلى إعادة إعمار وفرص عمل ونشاط اقتصادي. والمواطنون الذين يُطلب منهم وضع أمنهم حصراً في يد الدولة يحتاجون إلى أن يروا أن الدولة قادرة على حمايتهم.

ومن هذا المنظور، فإن الانسحاب الإسرائيلي الكامل ليس مطلباً دبلوماسياً منفصلاً يقف إلى جانب نزع السلاح. بل هو أحد الشروط التي تجعل نزع السلاح قابلاً للتصديق سياسياً.

يجب أن يتحول التزام واشنطن الآن إلى سياسة

وهذا هو السبب أيضاً في أن الالتزامات التي قُطعت خلال زيارة الرئيس عون إلى واشنطن أصبحت الآن أكثر أهمية من الزيارة نفسها.

لقد حدّد لبنان المسار الذي يريد سلوكه. فهو يريد للجيش اللبناني أن يوسّع سلطة الدولة، ويريد وضع الأسلحة تحت سلطة المؤسسات الشرعية. لكن ما ينقصه هو بعض الشروط المادية والسياسية اللازمة لإتمام هذا الانتقال.

وتستطيع الولايات المتحدة التأثير في الأمرين.

ويجب أن يتحول تعهّد ترامب بدعم لبنان والجيش اللبناني إلى مساعدات عسكرية وتدريب ودعم مؤسساتي مستمر، بما يتناسب مع المهام التي يُطلب من الجيش تنفيذها. فالجيش اللبناني يُتوقع منه الانتشار في مناطق متنازع عليها، وفرض نظام أمني جديد، وتسهيل عودة المدنيين، وفي نهاية المطاف تولي مسؤوليات كان حزب الله يمارسها سابقاً. ولا يمكن تحقيق ذلك بمجرد إعلان الجيش الجهة الأمنية الشرعية وتوقع أن تتبع القدرات هذا الإعلان تلقائياً.

ولا يمكن فصل المسألة العسكرية عن إعادة الإعمار.

فقد ألحقت سنوات من الصراع أضراراً بالمنازل والطرق والمؤسسات التجارية والبنى التحتية العامة، ولا سيما في جنوب لبنان. وتحاول البلديات خدمة السكان العائدين، فيما لا يزال الاقتصاد يعاني تداعيات سنوات من الانهيار المالي. وإذا كان من المتوقع أن تصبح الدولة المصدر الأساسي للسلطة في هذه المجتمعات، فعلى المؤسسات التي يتعامل المواطنون معها يومياً أن تكون قادرة على العمل.

وهذا يتطلب تمويل إعادة الإعمار، وبلديات قادرة على العمل، وإصلاحاً اقتصادياً، ومؤسسات عامة تستطيع تقديم الخدمات من دون دفع المواطنين مجدداً إلى أنظمة من التبعية الحزبية.

وهذه ليست مسائل إنمائية هامشية مرتبطة باتفاق أمني، بل هي التي تحدد ما إذا كان نقل السلطة بعيداً من حركة مسلحة قادراً على الاستمرار.

وبالتالي، فإن الدعم الأميركي للجيش اللبناني ليس سوى أحد مكونات الالتزام الذي تعهدت به واشنطن في تموز. أما المكوّن الثاني فهو سياسي.

ولا يمكن السماح لإسرائيل بتحويل الانسحاب إلى مكافأة مؤجلة إلى أجل غير مسمى، مقابل أداء لبناني متواصل. فالجيش اللبناني يحتاج إلى الوصول إلى الأراضي التي يُطلب منه السيطرة عليها، والحكومة اللبنانية تحتاج إلى أن تظهر لشعبها أن اختيار سلطة الدولة يؤدي فعلياً إلى استعادة السيادة.

لقد ساهمت واشنطن في صياغة الاتفاق تحديداً لأن أياً من الطرفين لم يكن قادراً على حل مشكلة التسلسل هذه بمفرده. ولا يمكن لدورها أن ينتهي بمجرد توقيع الإطار.

لا يمكن لاتفاق أن يصمد من دون مبدأ المعاملة بالمثل

يكتسب الجمود الحالي خطورة خاصة لأن لبنان يحاول تنفيذ هذا الانتقال وسط مواجهة أوسع تشمل إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، ولا تزال شديدة التقلب.

لطالما طغت الصراعات الإقليمية على السياسة اللبنانية، رغم أن لبنان لا يملك سوى قدرة محدودة على التحكم بها. وكانت عملية التفاوض الحالية بين لبنان وإسرائيل، بوساطة أميركية، مهمة تحديداً لأنها قدمت وسيلة محتملة لعزل الأمن اللبناني عن هذا النمط، من خلال إعادة قرارات الحرب والسلام والدفاع عن الأراضي إلى الدولة.

لكن استمرار الوجود الإسرائيلي سيدفع لبنان في الاتجاه المعاكس.

وسيتمكن منتقدو الاتفاق من القول إن بيروت وافقت على التزامات كبيرة، بينما احتفظت إسرائيل بالسيطرة على الأراضي وحرية العمل العسكري. وسيقول حزب الله إن المفاوضات فشلت في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وإن وجوده المسلح لا يزال بالتالي ضرورياً للأمن اللبناني. وستكون لدى إيران كل الحوافز لتشجيع هذه الخلاصة.

وستواجه واشنطن عندها نتيجة تتعارض بشكل شبه كامل مع أهدافها المعلنة: اتفاق كان هدفه تعزيز الدولة اللبنانية وتقليص الدور العسكري لحزب الله قد يؤدي بدلاً من ذلك إلى إعادة إنتاج الظروف التي يستمد منها حزب الله قوة رواية المقاومة المسلحة.

وتجنب هذه النتيجة يتطلب المعاملة بالمثل في التطبيق، لا على الورق فقط.

يحتاج لبنان إلى مؤسسات أقوى، وجيش قادر، وإصلاح اقتصادي، ومسار جدي ووطني لمعالجة الأسلحة الموجودة خارج سلطة الدولة. وتحتاج الولايات المتحدة إلى الحفاظ على دعمها لهذه المؤسسات واستخدام نفوذها لضمان استمرار مسار الانسحاب الإسرائيلي. كما تحتاج إسرائيل إلى التخلي عن الأراضي اللبنانية بدلاً من استخدام استمرار احتلالها كورقة ضغط لفرض نتائج سياسية داخلية في لبنان.

هذه ليست مطالب متنافسة، بل هي الشروط التي تسمح للاتفاق بالعمل.

طريق نحو السلام قائم بالفعل

كما يجب ألا يُفهم مطلب الانسحاب الإسرائيلي الكامل على أنه رفض للسلام.

فلبنان لا يزال جزءاً من موقف عربي لطالما طرح مساراً تفاوضياً نحو تسوية أوسع. وقد أرست مبادرة السلام العربية، التي أُقرت في بيروت عام 2002، مبدأ تطبيع العلاقات مع إسرائيل في سياق الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة والتوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.

ولا تكمن أهمية المبادرة اليوم في الحنين إلى وثيقة دبلوماسية كُتبت قبل نحو ربع قرن، بل في أن السلام الدائم لا يزال يتطلب معالجة الاحتلال بدلاً من إدارته إلى أجل غير مسمى.

ولا يمكن فصل السلام والأمن في لبنان كلياً عن هذه التسوية الأوسع. كما لا يمكن بناء لبنان ذي سيادة على أساس دورة دائمة يُستند فيها إلى العمل العسكري الإسرائيلي لتبرير استخدام السلاح خارج الدولة، ثم يُستند إلى هذا السلاح لتبرير استمرار العمل العسكري الإسرائيلي.

لقد أتاح الاتفاق الذي وُقّع هذا الصيف فرصة نادرة للبدء في تفكيك هذه الدورة. وهذه الفرصة لم تختفِ، لكن نجاح هذا الانتقال يتطلب أن يرى اللبنانيون أن الدولة قادرة على استعادة الأراضي عبر الدبلوماسية، وحمايتهم من خلال المؤسسات الوطنية، وتقديم بديل أكثر استدامة من سردية الصراع الذي لا ينتهي، والتي يسعى حزب الله إلى إعادة بنائها.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT