مؤتمر باريس والرصيد المؤجل

سامر زريق

9/19/2026 6:29:11 AM

يبيّن التزامن بين انعقاد مؤتمر باريس لدعم الجيش والقوى الأمنية ضمن "مسار العقبة"، وبين نشر مقال لمستشار رئيس الجمهورية جان عزيز في موقع "جاست سيكوريتي" الأميركي، أن الأهداف المتوخاة تتجاوز الدعم العسكري والأمني والمالي، إلى إبراز أهمية الانتقال من التعامل مع لبنان كمشكلة أمنية إلى بناء مسار سياسي شامل.

فصحيح أن الجيش يشكّل ركيزة الاستقرار وسياسة تفكيك سلاح "الحزب" والهياكل الموازية، إلا أن اختزال الصراع ومسار المفاوضات مع إسرائيل في زاوية أمنية بحتة، ينصب الاهتمام فيها على قدرات الجيش، وما ينقصه، وما يستطيع فعله، وما إذا كان سيدخل في مواجهة مع "الحزب"، يأتي على حساب المنطق السياسي. كما أنه يعيد نقل دينامية الصراع إلى المساحة التي يستفيد منها منطق السلاح، المرتكز على بناء قرار سياسي بحوامل أمنية من "الحزب" إلى "الحرس الثوري" و "الباسيج"، مرورًا بـ "جماعة الحوثيين" و"الحشد الشعبي".

في حين أن المطلوب هو توظيف المؤسسات العسكرية والأمنية داخل مقاربة سياسية أوسع تشمل المبادرات السياسية والدبلوماسية، وتنويع العلاقات الخارجية، وبناء الشراكات مع القوى الفاعلة، وإنتاج ترتيبات جديدة تعزز مشروعية الدولة وقدرتها على صياغة استراتيجية ردع هجينة أكثر استدامة وموثوقية، ولا سيما أن "مسار العقبة" نفسه مبادرة أطلقها الملك الأردني عبد الله الثاني عام 2015، تتجاوز مواجهة التهديدات الأمنية إلى دعم الاستقرار السياسي وتعزيز التعاون بين شركاء دوليين وإقليميين.

وهذا ما عناه الرئيس جوزاف عون في باريس بالحديث عن شراكة طويلة الأمد، والتزامات واضحة، والاتفاق على خارطة طريق عملية، حيث بدت مخرجات المؤتمر بمثابة رصيد مؤجل الاستحقاق للمنطق السياسي المنشود. فالدعم الدولي للجيش لا ينبغي أن يكون بديلا عن المسار السياسي، إنما رافعة له. وهذا ما عمل على تفنيده بإسهاب مستشار رئيس الجمهورية جان عزيز في مقال موجّه إلى الإدارة الأميركية ويمثل الموقف الأكثر وضوحًا وتعبيرًا عن مقاربة بعبدا، لأنه ينقل النقاش من حدود المؤسسة العسكرية إلى شروط استعادة الدولة لوظائفها كاملة.

ترتكز هذه المقاربة على أن سيادة المنطق السياسي لا تتحقق بجمع السلاح ولا بمواجهة حامله، إنما بإثبات الدولة قدرتها على القيام بالوظائف التي ينتحلها "الحزب" بسلاحه، تحت طائلة بقاء لبنان في إسار معادلة صفرية من مشروعيات متضادة. فإسرائيل تستند إلى بقاء سلاح "الحزب" لتبرير استمرار احتلالها، فيما الأخير يستند إلى الاحتلال لتبرير استمرار سلاحه ووظائفه غير العسكرية.

ولتفكيك هذه الدائرة المقفلة، لا يمكن أن يحدث ذلك عبر إدارة أمنية للأزمة، حيث يحتاج لبنان إلى دعم سياسي أميركي جاد وحاسم للحؤول دون إعادة إنتاج الفراغ السياسي الذي سمح تاريخيًا بقيام نفوذ موازٍ للدولة، من "فتح لاند" إلى مشروع الأذرع الإيرانية الولائية. وربط الانسحاب الإسرائيلي بتقييم الأداء اللبناني، ولا سيما الجيش، يهدد بإبقاء لبنان داخل الحلقة نفسها، ويفسح المجال أمام ولادة تنظيم أو مشروع جديد يرث نفوذ "الحزب"، وربما بأشكال أكثر عنفًا.

لذلك، فإن المطلوب هو تقديم المنطق السياسي وتفعيل استحقاقه، بحيث تكون الدولة بمؤسساتها ونفوذها من تملأ الفراغ الذي شغله السلاح، وتستعيد وظائفه السياسية والاجتماعية والأمنية، لا أن تكتفي بجمعه وملاحقته. وهذا يتطلب إعادة إدخال الدولة إلى الجنوب عبر ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية جديدة تجعل حضورها بديلا فعليًا عن الهياكل الموازية.

يعيد عزيز، بلسان بعبدا، ترسيم إطار استراتيجية "خطوة - خطوة"، التي يتبناها الرئيس جوزاف عون منذ انتخابه: انسحاب القوات الإسرائيلية، توسيع سلطة الجيش، عودة المدنيين، بدء إعادة الإعمار، معالجة الدولة لوجود السلاح خارج إمرتها. وفيما من المتوقع أن يثير ترتيب بنود هذه الاستراتيجية عاصفة اعتراض مزدوجة، إلا أنها ترمي إلى إسقاط الوظائف التي يستمد منها السلاح مبرر بقائه، كما أنها الشرط الشارط للانتقال من منطقة إلى أخرى.

المنطق السياسي ليس مرحلة تالية للمنطق العسكري والأمني، إنما هو من يمنحهما الغاية والاتجاه. والدولة تستعيد احتكار القوة من خلال انتزاع كل الوظائف التي جعلت منه سلطة فوق الدولة.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT