إيران... بندقية للموالية ورصاصة للمعارِضة
9/19/2026 7:03:35 AM
في طهران، وجد النظام الإيراني أمس طريقة فريدة لمواجهة الحصار والأزمة الاقتصادية المستفحلة: إخراج السيوف والبنادق إلى الشارع! رجال يلوّحون بالسلاح، ونساء محجّبات يحملنَ الكلاشنيكوف، وطلّاب بالزيّ العسكري يعبرون أمام صورة علي خامنئي، المرشد الراحل الذي قُتل في اليوم الأوّل للحرب. المشهد مصمّم لإعلان الاستعداد للتضحية من أجل الوطن؛ المخيف فيه أنّك ترى الآلاف من المؤدلجين المستعدّين للموت فداءً لنظام مجرم ذبح شعبه على مرّ تاريخه.
تستدعي هذه الاحتفالية التعبوية وسط الخراب صورة من التاريخ: زواج أدولف هتلر وإيفا براون في مخبأ الفوهرر تحت برلين، في 29 نيسان 1945، قبل انتحارهما في اليوم التالي، فيما كانت عاصمته تنهار. أقيمت المراسم، لكن المراسم لم تغيّر مصير الرايخ. والمقارنة هنا تتعلّق بانفصال الملالي عن الواقع؛ فالقدرة على تنظيم مشهد احتفالي تبقى أحيانًا أطول عمرًا من القدرة على إدارة المأزق.
ولا يعني ذلك أن سقوط النظام الإيراني بات مسألة ساعات. لكنه يفتح سؤالًا عن وظيفة الاستعراض حين تضيق الخيارات: هل يُراد ردع الخصم، أم إقناع الداخل بأن السلطة ما زالت تمسك بالمبادرة؟ السيف قد يلمع أمام الكاميرا، لكنّه لا يفكّ حصارًا، والكلاشنيكوف لا يسدّ عجز ميزانية أسرة. وبين الحرب والعقوبات والحصار البحري، تبدو المسافة متّسعة بين العضلات المعروضة في الشارع والقدرة على تأمين حياة بالحدّ الأدنى للناس.
لكن المفارقة الأشدّ قسوة تحملها صورة النساء المسلّحات. فالجمهورية الإسلامية، التي تعرض المرأة حاملةً بندقية بوصفها شريكة في الدفاع عن الوطن، حاربت حقّها في اختيار ما تضعه على رأسها. في قاموس هذا النظام الفاسد، تستطيع المرأة، الموالية له فقط طبعًا، أن تحمل أداة قتل، لكن استقلال قرارها بشأن حرّياتها ولباسها يتحوّل إلى تهديد وجودي. يبدو أن خصلة الشعر، حين تخرج عن الطاعة، أخطر من مخزن ذخيرة كامل.
قبل يومين من احتفالية النظام، حلّت في 16 أيلول الذكرى الرابعة لمقتل مهسا أميني على يد "شرطة الأخلاق". وبين المناسبتين، تنكشف المسافة بين إيران التي يريد النظام عرضها وإيران التي يسعى إلى إسكاتها. فقد أشعل موت مهسا ثورة "المرأة، الحياة، الحرّية"، التي واجهتها السلطات بقمع دموي. وفي كانون الثاني 2026، عادت آلة القمع لمواجهة احتجاجات انطلقت في كانون الأوّل من الغلاء والانهيار المعيشي، قبل أن تتّسع إلى المطالبة بإسقاط النظام. وحين تحوّل الغضب على الفقر إلى اعتراض على حكم الملالي، واجهته طهران بجرائم ضد الإنسانية، مؤكّدة أن أولويتها حماية بقائها مهما بلغت كلفة الدم الإيراني.
تكتسب المقارنة بين المرأة الموالية للنظام وتلك المطالبة بإسقاطه معناها الحقيقي هنا. فالمسألة تتجاوز الحجاب إلى الحقّ في الاختيار. للمحجّبة حقّها في لباسها وقناعتها السياسية، ولرافضة الحجاب الحقّ نفسه في تقرير كيف تعيش وماذا تؤيّد. لكن نظام آيات الله يوزّع الحماية والعقاب بحسب الولاء. امرأة تحمل السلاح في احتفال ترعاه السلطة، فتُقدَّم رمزًا لقوّة إيران؛ وأخرى ترفع صوتها في وجه النظام، فتُعامَل باعتبارها خطرًا يجب تحييده. وما يفصل بينهما، في ميزان النظام، هو استعداد كلّ منهما للطاعة.
ما وظيفة المرأة في الدعاية الرسمية؟ الجواب بسيط: يُحتفى بحضورها بقدر ما يخدم السلطة، ويُقمع استقلالها حين يمنحها القدرة على مساءلتها. يسمح لها النظام بأن تحمل بندقية دفاعًا عنه، لكنّه لا يحتمل أن تحمل موقفًا مضادًا له. يريد إرادتها حين تتطابق مع إرادته، ويجرّمها حين تنفصل عنه. ويمتدّ هذا المنطق إلى عموم المعترضين، خصوصًا الشباب الذين تصطدم مطالبهم المعيشية والسياسية بنظام يجعل الولاء شرطًا للاعتراف بحقوقهم. فالمواطن مقبول ما دام جزءًا من "الحشد الولائي"، ومدان يستحقّ الإعدام حين يصبح صاحب صوت مناهض للنظام.
لهذا، يحمل الاستعراض المسلّح رسالتين متلازمتين: الأولى إلى الخارج، مفادها أن للنظام أنصارًا مستعدّين للدفاع عنه، والثانية إلى الداخل، أن الشارع الذي خرج منه المحتجّون يمكن ملؤه بالموالين وبنادقهم القادرة على إسكات المعارضين. قد تجمع الكاميرا آلاف البنادق في صورة واحدة، لكنّها لا تمحو صورة فتاة قُتلت بعدما انتُزع منها حقّ الاختيار. وفي هذه المفارقة تكمن هشاشة المشهد كلّه، فالنظام يحتفي بالمرأة حين تتعهّد بالموت من أجله، ويخشى إرادتها حين تصرّ على العيش بحرّية. يستطيع تسليح المواليات وحشدهنَّ، لكن كثرة البنادق لا تمنحه شرعية في عيون من يطالبنَ بإسقاطه. هذه المشهدية الباهتة تزيد المعارِضات إصرارًا على المقاومة وتحرير بلادهنَّ من نير الاستعباد.
تستدعي هذه الاحتفالية التعبوية وسط الخراب صورة من التاريخ: زواج أدولف هتلر وإيفا براون في مخبأ الفوهرر تحت برلين، في 29 نيسان 1945، قبل انتحارهما في اليوم التالي، فيما كانت عاصمته تنهار. أقيمت المراسم، لكن المراسم لم تغيّر مصير الرايخ. والمقارنة هنا تتعلّق بانفصال الملالي عن الواقع؛ فالقدرة على تنظيم مشهد احتفالي تبقى أحيانًا أطول عمرًا من القدرة على إدارة المأزق.
ولا يعني ذلك أن سقوط النظام الإيراني بات مسألة ساعات. لكنه يفتح سؤالًا عن وظيفة الاستعراض حين تضيق الخيارات: هل يُراد ردع الخصم، أم إقناع الداخل بأن السلطة ما زالت تمسك بالمبادرة؟ السيف قد يلمع أمام الكاميرا، لكنّه لا يفكّ حصارًا، والكلاشنيكوف لا يسدّ عجز ميزانية أسرة. وبين الحرب والعقوبات والحصار البحري، تبدو المسافة متّسعة بين العضلات المعروضة في الشارع والقدرة على تأمين حياة بالحدّ الأدنى للناس.
لكن المفارقة الأشدّ قسوة تحملها صورة النساء المسلّحات. فالجمهورية الإسلامية، التي تعرض المرأة حاملةً بندقية بوصفها شريكة في الدفاع عن الوطن، حاربت حقّها في اختيار ما تضعه على رأسها. في قاموس هذا النظام الفاسد، تستطيع المرأة، الموالية له فقط طبعًا، أن تحمل أداة قتل، لكن استقلال قرارها بشأن حرّياتها ولباسها يتحوّل إلى تهديد وجودي. يبدو أن خصلة الشعر، حين تخرج عن الطاعة، أخطر من مخزن ذخيرة كامل.
قبل يومين من احتفالية النظام، حلّت في 16 أيلول الذكرى الرابعة لمقتل مهسا أميني على يد "شرطة الأخلاق". وبين المناسبتين، تنكشف المسافة بين إيران التي يريد النظام عرضها وإيران التي يسعى إلى إسكاتها. فقد أشعل موت مهسا ثورة "المرأة، الحياة، الحرّية"، التي واجهتها السلطات بقمع دموي. وفي كانون الثاني 2026، عادت آلة القمع لمواجهة احتجاجات انطلقت في كانون الأوّل من الغلاء والانهيار المعيشي، قبل أن تتّسع إلى المطالبة بإسقاط النظام. وحين تحوّل الغضب على الفقر إلى اعتراض على حكم الملالي، واجهته طهران بجرائم ضد الإنسانية، مؤكّدة أن أولويتها حماية بقائها مهما بلغت كلفة الدم الإيراني.
تكتسب المقارنة بين المرأة الموالية للنظام وتلك المطالبة بإسقاطه معناها الحقيقي هنا. فالمسألة تتجاوز الحجاب إلى الحقّ في الاختيار. للمحجّبة حقّها في لباسها وقناعتها السياسية، ولرافضة الحجاب الحقّ نفسه في تقرير كيف تعيش وماذا تؤيّد. لكن نظام آيات الله يوزّع الحماية والعقاب بحسب الولاء. امرأة تحمل السلاح في احتفال ترعاه السلطة، فتُقدَّم رمزًا لقوّة إيران؛ وأخرى ترفع صوتها في وجه النظام، فتُعامَل باعتبارها خطرًا يجب تحييده. وما يفصل بينهما، في ميزان النظام، هو استعداد كلّ منهما للطاعة.
ما وظيفة المرأة في الدعاية الرسمية؟ الجواب بسيط: يُحتفى بحضورها بقدر ما يخدم السلطة، ويُقمع استقلالها حين يمنحها القدرة على مساءلتها. يسمح لها النظام بأن تحمل بندقية دفاعًا عنه، لكنّه لا يحتمل أن تحمل موقفًا مضادًا له. يريد إرادتها حين تتطابق مع إرادته، ويجرّمها حين تنفصل عنه. ويمتدّ هذا المنطق إلى عموم المعترضين، خصوصًا الشباب الذين تصطدم مطالبهم المعيشية والسياسية بنظام يجعل الولاء شرطًا للاعتراف بحقوقهم. فالمواطن مقبول ما دام جزءًا من "الحشد الولائي"، ومدان يستحقّ الإعدام حين يصبح صاحب صوت مناهض للنظام.
لهذا، يحمل الاستعراض المسلّح رسالتين متلازمتين: الأولى إلى الخارج، مفادها أن للنظام أنصارًا مستعدّين للدفاع عنه، والثانية إلى الداخل، أن الشارع الذي خرج منه المحتجّون يمكن ملؤه بالموالين وبنادقهم القادرة على إسكات المعارضين. قد تجمع الكاميرا آلاف البنادق في صورة واحدة، لكنّها لا تمحو صورة فتاة قُتلت بعدما انتُزع منها حقّ الاختيار. وفي هذه المفارقة تكمن هشاشة المشهد كلّه، فالنظام يحتفي بالمرأة حين تتعهّد بالموت من أجله، ويخشى إرادتها حين تصرّ على العيش بحرّية. يستطيع تسليح المواليات وحشدهنَّ، لكن كثرة البنادق لا تمنحه شرعية في عيون من يطالبنَ بإسقاطه. هذه المشهدية الباهتة تزيد المعارِضات إصرارًا على المقاومة وتحرير بلادهنَّ من نير الاستعباد.