كلفة الإنتاج تتصاعد… والغلاء يستفحل

باتريسيا جلّاد

9/21/2026 6:53:30 AM

لا يبدو ارتفاع كلفة الإنتاج الصناعي في لبنان مرتبطًا بعامل واحد، في ظل تداخل ضغوط المحروقات والطاقة مع كلفة المواد الأولية والشحن والتأمين والضرائب والرسوم. ومع ارتفاع كلفة التشغيل، تجد المؤسسات نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على قدرتها التنافسية واستمرارية الإنتاج من جهة، والحد من انعكاس هذه الزيادات على أسعار السلع من جهة أخرى، في وقت تبقى فيه قدرة المستهلك على تحمّل مزيد من الغلاء محدودة.

يُحذّر نائب رئيس جمعية الصناعيين في لبنان زياد بكداش من أن "الضغوط المتراكمة على القطاع الصناعي لن تبقى محصورة داخل المصانع، بل ستنتقل تدريجًا إلى الأسواق والأسعار. فارتفاع كلفة الطاقة، إلى جانب المواد الأولية والشحن والتأمين والرسوم، يرفع الكلفة التشغيلية ويضع المؤسسات أمام خياريْن صعبين: تحمّل جزء من الأعباء على حساب هوامشها، أو تمرير جزء منها إلى المستهلك، بما يعني استمرار الضغوط التضخمية خلال المرحلة المقبلة".

بكداش حذّر خلال حديث مع "نداء الوطن"، من "التداعيات المتزايدة لارتفاع كلفة المحروقات والضرائب والرسوم على القطاع الصناعي والمستهلك اللبناني"، معتبرًا أن "الدولة لا تملك هامشًا واسعًا لمعالجة غلاء المحروقات، في ظل حاجتها إلى الإيرادات لتمويل الخزينة وتأمين رواتب موظفي القطاع العام". وأشار إلى أن "الدولة كانت تعتمد ضريبة متحركة على البنزين والفيول، ولا تستطيع إلغاءها، فيما برزت في المقابل رسوم وضرائب إضافية، من بينها الرسوم على الاستيراد والرسوم البيئية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على المستهلك ويرفع كلفة الإنتاج".

وأوضح بكداش أن "كلفة المحروقات في المؤسسات التجارية والصناعية ارتفعت بشكل كبير، حتى باتت في بعض الحالات ضعف ما كانت عليه سابقًا"، قائلا إن "المؤسسة التي كانت تنفق نحو 50 ألف دولار سنويًا على المحروقات باتت تدفع نحو 100 ألف دولار". ولفت إلى أن "تأثير هذا الارتفاع يبدو أكبر على الصناعة منه على التجارة، نظرًا إلى اعتماد المصانع على الآلات والطاقة، فيما تختلف نسبة الكلفة بحسب القطاع الصناعي".



الطاقة تستنزف قطاعات 

وأشار إلى أن "قطاعات الحديد والورق والكاوتشوك والبلاستيك والزجاج تتحمل كلفة مرتفعة للكهرباء والطاقة، تتراوح في الظروف الطبيعية بين 35 و45 في المئة من كلفة الإنتاج، ما يفرض، في ظل الارتفاعات الحالية، زيادة في أسعار المبيع تتراوح بين 10 و15 في المئة على الأقل".

أما الصناعات الغذائية، فأوضح بكداش أنها "تعتمد بشكل أساسي على المازوت، الذي يشكل ما بين 15 و25 في المئة من كلفتها، ما يجعلها بدورها مضطرة إلى رفع أسعار منتجاتها. وبالنسبة إلى بقية القطاعات الصناعية، فتتراوح حصة المحروقات والكهرباء من كلفة المنتج بين 8 و15 في المئة، وهي النسبة الأدنى مقارنة بالقطاعات الأخرى".

وبصورة إجمالية، قدّر بكداش أن "الزيادة في الكلفة التشغيلية للمصنع اللبناني، وفق معدل عام لمختلف المصانع، تتراوح بين 20 و30 في المئة، ما سينعكس حكمًا على أسعار المنتجات"، معتبرًا أن "الزيادة التي قد يتحملها المستهلك اللبناني لن تقل عن 12 إلى 20 في المئة، باعتبار أن الصناعة تشكل سلسلة إنتاج متكاملة تتأثر جميع حلقاتها بارتفاع الكلفة".



المواد الأولية والشحن والتأمين 

لم يحصر بكداش أسباب ارتفاع الأسعار بالمحروقات، مشيرًا إلى أن "نحو 40 في المئة من كلفة الصناعة تعود إلى المواد الأولية، التي ارتفعت أسعارها أساسًا في مصادرها، فضلا عن زيادة كلفة الشحن والتأمين ضد مخاطر الحرب".

ولفت إلى أن "التأمين على البضائع لا يغطي، في بعض الحالات، كامل رحلة الشحنة، إذ يضمنها حتى وصولها إلى باب المرفأ، بينما لا يشمل المخاطر التي قد تتعرض لها بعد دخولها الأراضي اللبنانية، ولا سيما في حال تعرض المرفأ أو المطار لأي ضربة". واعتبر أن "تراكم هذه العوامل سيؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتج المحلي المطروح في السوق بنسبة تتراوح بين 10 و25 في المئة".

وشدد على أن "المحروقات، رغم كونها عاملا أساسيًا في بعض الصناعات، ليست العامل الوحيد وراء ارتفاع الأسعار، إذ تتضافر معها عوامل عدة، من بينها ارتفاع كلفة المواد الأولية والشحن والتأمين، فضلا عن الضرائب والرسوم التي تفرضها الدولة من وقت إلى آخر". وأكد أن "القطاع الخاص الشرعي هو من يمول صندوق الدولة اللبنانية"، محذرًا من أن "تحميله أعباء إضافية ينعكس في نهاية المطاف على كلفة الإنتاج والأسعار".


معضلة الأجور

في ما يتعلق بالأجور، وصف بكداش الوضع بأنه "مشكلة كبيرة"، موضحًا أن "أصحاب العمل لا يستطيعون زيادة الرواتب في ظل ارتفاع كلفة التشغيل، لكن الموظف في المقابل لا يستطيع الاستمرار في العمل من دون تحسين أجره". وقال إن "رفع الرواتب يعني زيادة إضافية في كلفة الإنتاج، من دون قدرة على تحديد حجم الزيادة التي يمكن للمؤسسات تحمّلها".

وأشار إلى أن "انعكاسات الأزمة تظهر بوضوح في الأسواق، حيث أُقفلت أعداد كبيرة من المحال والمطاعم"، فيما اعتبر أن "وضع القطاع الصناعي لا يزال أفضل نسبيًا من غيره، بعدما باتت الصناعة تشكل نحو 60 إلى 65 في المئة من السوق المحلي، ما سمح للمصانع بالحفاظ، إلى حد ما، على قدرتها على الاستمرار والوقوف على قدميها".

ومع ذلك، شدد بكداش على أن "الوضع القائم "غير سليم، لا على صاحب العمل ولا على العامل"، في ظل استمرار الضغوط على كلفة التشغيل والأجور والأسعار".


ارتفاع الأسعار مرشح للاستمرار

توقع بكداش "استمرار الارتفاع في الأسعار خلال المرحلة المقبلة"، قائلا إن وتيرة الغلاء ستُلمس "يومًا بعد يوم"، خصوصًا في ظل عدم استقرار أسعار المحروقات". وأوضح أن "الشركات التي تطلب المازوت لا تحصل بالضرورة على سعر ثابت، إذ قد يُحدد السعر وفق يوم التسليم، ما يزيد صعوبة احتساب الكلفة مسبقًا بالنسبة إلى المؤسسات".

وختم بالتأكيد أن "المشهد الأمني في المنطقة لا يزال غير مريح، فيما يواجه لبنان بدوره تداعيات هذا الوضع"، معتبرًا أن "استمرار حالة "الحرب أو اللا حرب" سيبقي الكلفة في منحى تصاعدي، طالما أن المصاريف التشغيلية والتأمينية واللوجستية مرشحة للارتفاع".

في ضوء هذه المعطيات، لا تبدو موجة ارتفاع الأسعار مرشحة للتراجع سريعًا، طالما بقيت كلفة الطاقة والنقل والتأمين والمواد الأولية عرضة للتقلبات، فيما تستمر المؤسسات في مواجهة أعباء تشغيلية وأجور متزايدة. وبين قدرة الصناعة على الاستمرار وقدرة المستهلك على تحمّل الأسعار، تبقى معالجة أصل المشكلة مرتبطة بمدى قدرة الاقتصاد اللبناني على خفض كلفة الإنتاج وتأمين بيئة أكثر استقرارًا، بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع نتائج الغلاء بعد وقوعها.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT