المستقبل لا يزال ممكناً... حين يستعيد اللبناني حقّه في الغد

أنطوان العويط

9/21/2026 9:13:01 AM

ليست المأساة الكبرى في لبنان أنّ الناس فقدوا ما يملكون، بل أنّهم بدأوا يُحرمون مما لم يأتِ بعد. إنّه المستقبل.
فالخسارة التي تُقاس بالأرقام، مهما اشتدّت وطأتها، تبقى قابلة للحصر، وفي بعض الأحيان للتعويض. أمّا حين يفقد مجتمع بأكمله قدرته على تخيّل الآتي، فإنّ الخسارة تتجاوز المال والبنى والمؤسّسات، لتطال المعنى نفسه. عندها لا يعود الزمن مجرّد إطار للأزمة، بل يصبح جزءاً منها؛ ويجد الإنسان نفسه عالقاً في حاضر لا يثق به، ومستقبل لا يراه.

هذه ليست مجرّد صورة أدبيّة، بل حقيقة تتّصل بجوهر الوجود الإنسانيّ. فالإنسان لا يعيش بما هو كائن فحسب، بل بما يمكن أن يكون؛ ولا يستمدّ معنى وجوده من الحاضر وحده، بل من قدرته على التطلّع إلى ما لم يتحقّق بعد. ولعلّ إرنست بلوخ، الفيلسوف الألماني وأحد أبرز فلاسفة الأمل في القرن العشرين، كان من أكثر من بلوروا هذه الفكرة في "مبدأ الأمل"، حين جعل "ما لم يصبح بعد" جزءاً أساسيّاً من التجربة الإنسانيّة. فالأمل عنده ليس انتظاراً ساذجاً، بل قدرة على استشراف إمكان لم يتحقّق بعد، والإيمان بأنّ ما هو قائم ليس نهاية الممكن.
ومن هذه الزاوية، تبدو مأساة لبنان أعمق من أزماته المتلاحقة. لقد عاش اللبناني طويلاً على وعد الغد. بعد كلّ حرب كان ثمّة إعمار، وبعد كلّ مأزق كانت تلوح نافذة يُفترض أن تقود إلى مرحلة مختلفة. لكنّ تكرار المحن وطول أمدها بدّلا علاقة الإنسان بالمنعطف المقبل. صار الغد امتداداً غامضاً لحاضر مثقل، وموعداً محتملاً لنكبة أخرى.
وهنا يأتي علم النفس ليمنحنا مفتاحاً بالغ الدلالة. فبحسب نموذج الأميركيّ تشارلز سنايدر، لا يقوم الأمل على مجرّد الرغبة في بلوغ هدف، بل يحتاج أيضاً إلى القدرة على رؤية الطرق المؤدّية إليه، وإلى الدافعيّة والثقة بإمكان سلوكها. وحين تتراكم العوائق، يتراجع الأمل، حتى لو ظلّ المبتغى مرغوباً.
وهذا يفسّر جانباً عميقاً من الحالة اللبنانيّة. فاللبنانيّ لم يفقد على الإطلاق رغبته في الحياة أو النجاح أو الاستقرار، لكنّه أضاع، في كثير من الأحيان، الثقة بالدرب الذي يقوده إليها. يريد الشاب أن يؤسّس مستقبله، لكنّه لا يعرف إن كان يستطيع أن يبنيه هنا. يريد أن ينشئ مشروعاً، لكنّه لا يعرف أيّ انهيار جديد قد يطيح بما بناه. تريد العائلة أن تخطّط لتعليم أبنائها، لكنّها لا تعرف ماذا ستكون قيمة ما تدّخره في المقبل من الأيام.
ومن هنا يمكن فهم الهجرة اللبنانيّة من زاوية تتجاوز تفسيرها الأمنيّ أو السياسيّ أو الاقتصاديّ. فحين يغادر الشاب بلده، قد يكون بحثاً عن الأمان أو فرصة عمل أو حياة أكثر استقراراً، لكنّ المسألة تصبح أعمق حين يشعر بأنّ المكان الذي وُلد فيه لم يعد يمنحه أفقاً زمنيّاً يستطيع أن يبني عليه حياته. عندها لا تكون الهجرة مجرّد خروج من مكان، بل خروجاً من حاضرٍ مسدود إلى مستقبلٍ يعتقد أنّه لا يزال ممكناً في مكان آخر.
لقد انكمش أفق المستقبل في لبنان إلى حدّ لم يعد معه الإنسان قادراً على التخطيط للغد، بل على مجرّد انتظار ما سيحمله. من كان يستشرف لعشر سنوات، صار يكتفي بسنة. ومن كان يرسم المسار لسنة، صار لا يرى أبعد من شهر. ثم ضاق المدى أكثر، حتّى بات يكفي أحياناً أن يعرف الإنسان ماذا سيحدث في الأسبوع المقبل. هكذا، لم يعد الزمن البعيد مجالاً طبيعيّاً للتخطيط، بل أصبح نوعاً من الترف.
لهذا، فإنّ عودة لبنان لا ينبغي أن تُختزل في استعادة القرار، وتحرير الأرض، وحصريّة السلاح، وإعادة إعمار ما هُدّم، وإصلاح الاقتصاد، ومعالجة الدين، وإعادة بناء المؤسّسات، على أهميّة ذلك كلّه. فهذه كلّها ضرورات لا غنى عنها، لكنّها لا تكفي إذا بقي الإنسان عاجزاً عن تصديق أنّ ما يبنيه اليوم سيظلّ قائماً في ما هو آت.
لذلك، ربّما تكون المعركة الأهم في لبنان اليوم أقلّ اقتراناً باسترجاع ما خسره في الماضي، وأكثر ارتباطاً بمنع خسارة ما لم يفقده بعد.
مسؤولون ومواطنون، كلٌّ من موقعه، يخوضون هذا الغمار، في محاولة لإرساء انتظام الدولة واستعادة معنى الحياة العامة. والحكومة، بما ترسمه من سياسات عامة وتواجهه من أزمات متراكمة، تجهد لاحتواء المأساة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، ومعالجة الملفات التي تستنزف يوميات اللبنانيين، علّها تفتح في جدار التحدّيات منفذاً إلى الأمل.
وفي موازاة ذلك، تتحمّل الرئاسة الأولى مسؤوليّتها في قيادة المسار الوطنيّ نحو ما هو أبعد من إدارة الشدائد المتلاحقة، نحو تمكين الدولة من الفعل، وتعزيز قدرتها على المبادرة، ومؤسّساتها على إنتاج الثقة، وتهيئة المناخ السياسيّ الذي يسمح بالإصلاح وإعادة الإعمار وتثبيت الاستقرار. وفي الداخل والخارج، تتقدّم هذه المسؤوليّة بوصفها جهداً متراكماً لفتح مسالك جديدة أمام لبنان، في أرضٍ أرهقتها الحروب والانقسامات والانهيارات. ولا يأتي الحصاد سريعاً، لكنّ العمل على تهيئة شروطه هو ما يمنح الأمل أساساً عمليّاً، ويحوّل الأفق
من أمنية مؤجّلة إلى مشروع يمكن السعي إليه.

المستقبل لا يزال ممكناً. لكنّه لا يأتي وحده. إنّه يحتاج إلى الدولة. واللبناني لا يحتاج فقط إلى أن تنتهي أزماته؛ يحتاج إلى أن يحيي أمله بأن يرى نفسه في ما سيأتي، وأن يثق بأنّ ما يبنيه اليوم لن ينهار بعد أيّام. يحتاج، قبل كلّ شيء، إلى أن يستعيد حقّه في الغد.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT