هل يفتح سلام في واشنطن باب التسوية جنوباً أم يصطدم بجدار المنطقة؟

9/23/2026 7:18:10 AM


حسين زلغوط - اللواء

تتجه الأنظار إلى نيويورك، حيث يحاول رئيس الحكومة نواف سلام أن يحوّل حضوره على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى فرصة سياسية ودبلوماسية تتيح للبنان الخروج من دائرة التصعيد الاسرائيلي المفتوح، وفتح نافذة في جدار التعثر الذي يحاصر الجهود الرامية إلى تثبيت الهدوء في الجنوب. فالمسألة لم تعد مرتبطة بمجرد لقاءات دولية أو اتصالات بروتوكولية، بل باتت تتصل بمستقبل الوضع اللبناني برمته، في ظل استمرار الضغوط الأمنية والسياسية، وتعقّد الحسابات الإقليمية والدولية التي تجعل أي خطوة في الجنوب مرتبطة بتوازنات تتجاوز لبنان.

صحيح أن الاجتماع المرتقب بين الرئيس سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يكتسب أهمية خاصة، نظراً إلى الدور الذي تؤديه واشنطن في إدارة الاتصالات المتعلقة بلبنان، وإلى قدرتها على ممارسة التأثير على المسار الإسرائيلي، سواء عبر القنوات السياسية أو من خلال موقعها في رسم الأولويات الأمنية والاستراتيجية للمنطقة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط ما إذا كان رئيس الحكومة سيتمكن من انتزاع تعهد أميركي أو خطوة إسرائيلية، بل ما إذا كانت الظروف الإقليمية تسمح أصلاً بتحويل أي تعهد إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ.

من المؤكد انه لا يمكن فصل أي حراك لبناني في نيويورك عن المشهد الأوسع الذي تعيشه المنطقة. فالولايات المتحدة لا تتعامل مع الملف اللبناني بمعزل عن المواجهة مع إيران، ولا عن المصالح الإسرائيلية في الجنوب. وفي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى إدارة ملفات متعددة، من الحرب إلى المفاوضات والضغوط السياسية، يبقى لبنان معرضاً لأن يتحول إلى ساحة تتأثر بمسارات التفاوض الأكبر، من دون أن يمتلك القدرة على التحكم في توقيتها أو نتائجها.

وتبرز هنا معضلة أساسية أمام الرئيس سلام: كيف يطالب بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب القوات المحتلة، واحترام السيادة اللبنانية، في وقت قد تكون فيه الأولويات الأميركية منصبَّة على ملفات أخرى تعتبرها أكثر إلحاحاً في الحسابات الاستراتيجية؟ لا يعني ذلك أن التحرك اللبناني محكوم بالفشل، لكنه يوضح أن المسافة بين المطالب اللبنانية والقدرة على ترجمتها إلى قرارات ميدانية لا تزال واسعة.

وتتصل هذه المسافة أيضاً بطبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فالموقف الأميركي من إسرائيل لا يقتصر على الوساطة بين طرفين متساويين في النفوذ، بل يرتبط بتحالف سياسي وأمني طويل الأمد، الأمر الذي يجعل أي ضغط أميركي على الحكومة الإسرائيلية مرتبطاً بموازين داخلية وإقليمية معقدة. ومن ثم، فإن مجرد عقد اجتماع رفيع المستوى لا يكفي وحده لتأكيد حصول اختراق، ما لم يقترن بخطوات محددة وآليات متابعة واضحة.

لا شك أن لبنان يحتاج إلى مقاربة متكاملة للجنوب، لا تكتفي بالمطالبة بوقف إطلاق النار، بل تتناول مجمل العناصر التي تجعل الاستقرار قابلاً للاستمرار. فالتهدئة الحقيقية لا تتحقق فقط بخفض مستوى العمليات العسكرية، وإنما تتطلب معالجة الخروقات، وضمان الانسحاب من المناطق المحتلة، وحماية المدنيين وعودتهم الى قراهم، وإطلاق الاسرى، وتثبيت دور الدولة والجيش اللبناني، والحفاظ على إطار دولي (قوات اليونيفل) قادر على مراقبة الالتزامات.

وتزداد أهمية هذا المسار مع اقتراب الاستحقاقات المتعلقة بمستقبل الوجود الدولي في الجنوب، إذ تسعى الحكومة إلى تفادي نشوء فراغ أمني في حال عدم التوصل إلى ترتيبات تضمن استمرار مهمة قوات اليونيفيل، في وقت لا تزال فيه صيغة البديل أو آليات المرحلة المقبلة موضع نقاش. وهذا الملف يضيف بعداً آخر إلى مهمة الرئيس سلام، لأن أي تفاهم أمني لا يستند إلى آلية مراقبة وتنفيذ واضحة يبقى عرضة للاهتزاز عند أول أزمة ميدانية.

في المقابل، تطرح إسرائيل شروطاً تتصل بقدرة الدولة اللبنانية على منع عودة النشاط العسكري لحزب الله إلى المناطق الحدودية، وبمستقبل انتشار الجيش اللبناني وآليات فرض الأمن. وتضع هذه الشروط الحكومة أمام اختبار بالغ الحساسية: فهي مطالبة بتعزيز سلطة الدولة وحماية السيادة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى ضمانات دولية تحول دون استخدام المطالب الأمنية ذريعة لاستمرار الاحتلال أو توسيع نطاق العمليات العسكرية.

ومن هنا، فإن أي تقدم محتمل لا بد أن يقوم على توازن بين التزامات جميع الأطراف، لا على تحميل لبنان وحده مسؤولية تثبيت الهدوء، فيما تبقى الخروقات الإسرائيلية بلا معالجة حاسمة.

وامام ذلك يبقى السؤال مرتبطاً بما إذا كان لبنان يستطيع فصل مساره عن التطورات بين واشنطن وطهران. وفي ظل استمرار الحرب الإقليمية، فإن أي تفاوض أميركي ــ إيراني، سواء أكان مباشراً أم عبر وسطاء، يمكن أن ينعكس على ساحات متعددة، من بينها لبنان. كما أن الأولويات الأميركية في هذه المرحلة تشمل ترتيبات ما بعد الحرب والبحث في مسارات تخفيف التصعيد، الأمر الذي يجعل الملف اللبناني جزءاً من شبكة إقليمية مترابطة.

غير أن ربط لبنان بالكامل بالقرار الخارجي يحمل مخاطر سياسية ووطنية. فحتى إذا كانت التطورات الإقليمية تؤثر بصورة كبيرة في الواقع اللبناني، فإن ذلك لا يلغي مسؤولية المؤسسات اللبنانية عن تحديد مصالح البلاد، ووضع تصور تفاوضي واضح، ومنع تحول الساحة اللبنانية إلى ورقة مقايضة بيد الأطراف الدولية في ملفات لا يملك اللبنانيون التحكم بها.

وعليه، فإن مهمة الرئيس سلام في نيويورك لا ينبغي أن تُقاس فقط بما إذا كان سيعود بإعلان إسرائيلي أو أميركي عن تنازل محدد، بل بمدى قدرته على تثبيت لبنان في صلب أي نقاش دولي بشأن أمن المنطقة، وتكريس حقوقه ضمن أي تسوية مقبلة.

All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT