خذل لبنان نفسه في نيويورك وأضاع فرصة الخلاص

إليسا الهاشم

9/26/2026 2:35:58 PM

ثمة لحظات تكشف المسافة الحقيقية بين خطاب السلطة ونبض الناس، وقد عشتُ واحدة منها وأنا أستمع إلى كلمة رئيس الحكومة نواف سلام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة - وهي صدى لتصريحات رئيس الجمهورية جوزاف عون نفسها، التي بدأت تنذر بانقلابٍ في الموقف منذ زيارته الأخيرة إلى النبطية، وتراجعٍ عن التزامات لبنان المعلنة. عدنا إلى نغمة الهدنة ووقف إطلاق النار المؤقت. 

شعرتُ برأسي يدور فعلاً، لا مجازاً. تلك اللحظة جسّدت لي كل شيء: زلزالٌ، منذ السابع من أكتوبر، يعيد رسم المنطقة وهندستها من جديد. وفي خضمّه، لبنان يضيّع فرصة خلاصه.
والأمر المؤلم أن هذا ليس أول مرة. جوزاف عون أضاع الفرصة نفسها في نيويورك قبل عام، والآن يكررها نواف سلام - اثنان في تاريخين منفصلين، ونتيجة واحدة. وكأن لبنان يملك ترف الوقت وهو على شفير انفجار اقتصادي واجتماعي قد يسبق الانهيار الامني، أضعنا الفرصة طوال عشرين شهراً منذ تولي هذه الحكومة، وكان ختامها مسكاً في نيويورك.
استمع إلى خطابه في الأمم المتحدة، ثم إلى مقابلته على "العربية": خطابٌ بدا متجاوَزاً زمنياً، رتيباً، فارغاً، لا يتقاطع مع السردية الفعلية لهذه المرحلة ولا مع حجمها، بل يعكس انفصالاً عن الواقع وعن الغاية ذاتها.
وتزداد خطورة ما ينتظرنا إن أخذنا بعين الاعتبار أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي سيلتقيه سلام الاثنين المقبل برفقة وزير الخارجية يوسف رجي، ليس مسؤولاً دبلوماسياً عادياً؛ فهو يشغل في آنٍ واحد منصب مستشار الأمن القومي، وهو أول من يجمع بين المنصبين منذ هنري كيسنجر في السبعينات. بمعنى آخر: الرجل الذي سيجلس أمامه سلام يمسك بمفاصل السياسة الخارجية والأمنية الأميركية معاً، وأي انطباعٍ يُترك في تلك الغرفة لن يمر مرور الكرام. 

فأي تكرارٍ لخطاب "العربية" نفسه لن يكون مجرد فرصةٍ ضائعةٍ أخرى، بل إعلاناً عملياً بإغلاق الباب الأميركي أمام لبنان. كم تمنيتُ، كما كثيرون مثلي، أن أرى زعيماً لبنانياً يقف أمام العالم، ويعلن كما فعل أنور السادات عام 1977، أن لبنان يريد السلام، لا أن يُساق إليه مكرهاً بعد فوات الأوان.
وكفانا لعباً بالألفاظ: "حصر السلاح" لم يعد يعني شيئاً حين يتحول إلى غطاءٍ لتأجيل "نزع السلاح" إلى أجلٍ غير مسمى. لماذا يسقط بند نزع سلاح "حزب الله" من سلّم الأولويات في كل التصريحات، بينما نطالب إسرائيل بكل شيء - انسحاباً كاملاً، وقف كل خرق، تعويضات - ونطالب اميركا والعالم بالسلاح للجيش وبتمويل اعادة الاعمار، ولا نطالب إيران وحزبها الإرهابي بشيء؟ هذه ليست سياسة متوازنة، بل انحيازٌ صريح يخفي نفسه خلف مصطلحاتٍ فضفاضة.

وإذا كان هذا التناقض لا يكفي، فقد أضاف إليه هذا الأسبوع مشهدان متعاقبان يختصران عبثية موقفنا: أشاهده جالساً مع الملالي، يردد الموال نفسه، ولا يقول صراحةً "أنتم قوة احتلال، أخرجوا من لبنان" - نواف سلام ويوسف رجي في غرفةٍ واحدة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والرئيس مسعود بزشكيان، في اليوم عينه الذي أعلن فيه بزشكيان، من على منبر الأمم المتحدة، استمرار نظامه في دعم "حزب الله" و"حركة أمل"؛ ثم الوفد اللبناني نفسه يغادر القاعة لحظة صعود بنيامين نتنياهو إلى المنصة. أي منطقٍ يجمع بين الجلوس إلى غرفةٍ واحدة مع من يموّل من نعتبره تهديداً وجودياً، والانسحاب من الاستماع إلى من نتفاوض معه فعلياً منذ ثماني جولات في واشنطن وروما؟ هذا ليس موقفاً سيادياً، بل دليلٌ على غياب الرؤية، وسلوكٌ طفوليٌّ بامتياز أقرب إلى تقليد الأقران منه إلى قرارٍ سيادي مستقل.
نحن لا نريد أن نغرق في المركب نفسه مع "حزب الله" وإيران. لا نريد أن نُربط بحبلٍ إلى سفينةٍ بدأت بالفعل تميل نحو القاع. فبعد ساعاتٍ فقط من لقائه الرئيس الصيني شي جين بينغ، رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب العرض الإيراني بإعادة فتح مضيق هرمز والعودة إلى طاولة التفاوض. الحرب قادمة؛ باب التفاوض أُغلق بوجه النظام بتمريرة صينية. هذا هو "الحليف" الذي يراهن عليه من يرفض التطبيع ويرفض نزع سلاح "حزب الله".

وبينما نحن منشغلون بهذا التخبط، تتحرك المنطقة من حولنا بخطى واثقة: من الكويت إلى السعودية، تسرع نحو التطبيع لضمان الأمن والازدهار والنمو والاستقرار - والمسألة مسألة وقتٍ فقط، والأشهر القادمة كفيلة بإثبات ذلك. وهذا بالتحديد ما كان يجب علينا فعله: المطالبة بالسلام مع التطبيع. لكننا، عوضاً عن ذلك، نكرر كالببغاء كلمة واحدة: هدنة. وماذا فعل لبنان خلال عشرين شهراً كاملة؟ لا شيء.
والحقيقة المُرّة التي يجب أن نواجهها: حتى لو لم نسِر نحن بإرادتنا نحو السلام، فسنُساق إليه سوقاً، لأن التاريخ لا ينتظر المترددين. لكننا، بتلكؤنا، لن نكون من صاغ شروط هذا السلام؛ سنُقاد إلى نسخةٍ منه ربما لا تشبهنا. وكل ما يبقى لنا الآن هو الأمل بأن تبقي الإدارة الأميركية الباب مفتوحاً أمامنا للانضمام يوماً إلى اتفاقيات أبراهام، ولو متأخرين.
الفرصة كانت هناك، في نيويورك، مفتوحة على مصراعيها. ونحن من أغلقها بيدنا.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT