"الحجارة القاتلة"... مدخل بيروت مرآة انهيار الدولة!
فتات عيّاد
9/28/2026 6:36:23 AM
كل مواطن لبناني، يمرّ عبر طريق المطار، خطّ السير الدولي نحو مدخل بيروت العاصمة، كان من المحتمل خلال الفترة الممتدة بين شباط وأيلول 2026، أن يلقى مصير المواطن محمد حمزة: أن يموت بسبب حجارة قاتلة، على خط سير سريع أمام مرأى من الجميع، لأن الموقوف ع.ف قرر رميها "لإرضاء نفسه" وفق اعترافاته لشعبة المعلومات في بيروت.
إلا أنّ مشهد "الحجارة القاتلة" عند مدخل بيروت ليس سوى مرآة لانهيار الدولة: فكيف عطّلت منظومة الانفجار والانهيار 1650 كاميرا مراقبة في بيروت؟ وماذا تقول مصادر الداخلية حول إعادة تفعيلها؟ وكيف تحولت رواتب القوى الأمنية "نقمة" على مهامهم الأمنية؟ وهل تكون عائلة محمد حمزة، التي تيتمت، ووالده، ابن الـ75 عامًا، الذي يوجه رسالة عبر "نداء الوطن" إلى الرؤساء الثلاث كي لا يضيع دم ابنه هدرًا، ويطلق تحذيرًا، بأن يلف شوارع بيروت "شارعًا شارعًا" ويحمل المناشير "حتى تعود الدولة"، أحرص على الدولة من نفسها؟
الحجار يطلب توقيف المعتدي
وكان وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار قد طلب من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي تكثيف جهودها الأمنية لكشف هوية الأشخاص الذين يعمدون إلى رمي الحجارة على السيارات على طريق مطار رفيق الحريري الدولي – بيروت، وتوقيفهم بالسرعة القصوى واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، بعد حادثة نجا فيها سائق، بتاريخ 21 أيلول الحالي.
24 ساعة فقط، استطاعت فيها شعبة المعلومات في بيروت إيجاد رامي الحجارة القاتلة، ع.ف، على الرغم من محاولته تغيير هندامه ومكان سكنه. وهو ما اعتُبر إنجازًا للشعبة.
إلا أنّ هذا الإنجاز لا يمحو سؤالا آخر: لماذا لم يتم توقيف المعتدي منذ شباط الماضي، أي منذ أول شكوى ضد حوادث رمي الحجارة، التي تبين أنها جميعها ارتكبها الشخص نفسه؟
مصادر أمنية: أوقفناه خلال 24 ساعة!
مصادر أمنية، بدورها، تصف قدرة شعبة المعلومات في بيروت على توقيف الفاعل خلال 24 ساعة، بـ"الإنجاز"، سيما وأن "عملية البحث لم تكن سهلة، ومن بين كل الأجهزة استطاعت الشعبة تحقيق المهمة بسرعة فائقة".
وتحث المصادر المواطنين على تقديم شكوى رسمية، وعبر خدمة "بلّغ"، وعدم التردد بالتبليغ، موضحة أنه رغم الحديث في الإعلام عن تكرار حادثة رمي الحجارة بشكل كثيف، إلا أن قوى الأمن الداخلي لم تتبلغ إلا بـ3 شكاوى رسمية: فهناك حادثة حصلت في 12 أيلول الحالي، وهي حادثة المواطن محمد حمزة، وحادثة المواطن الذي نجا في 21 أيلول، وفي 22 أيلول أوقفنا المعتدي، أي خلال 24 ساعة، علمًا أنه أيضًا كانت هناك شكوى قديمة في شهر شباط الماضي، كنا قد حققنا بها في حينه.
ننقل "لوم" اللبنانيين للأجهزة الأمنية، الذي تُرجم بوضوح على مواقع التواصل فترد المصادر: "نتفهم حزنهم، وهو حزننا أيضًا، على المواطن محمد حمزة، لكننا نعمل قصارى جهدنا للحفاظ على الأمن في أسوأ أعوام الانهيار والحرب، ورغم كل الظروف الصعبة اليوم، فالسرقات انخفضت بنسبة 60-65%، وأعداد السيارات المسروقة انخفضت بنسبة 15%، وكذلك انخفضت أعداد القتلى...".
أما طريق المطار، على وجه الخصوص، فتحيل المصادر تكرار حوادث السرقة إلى أنها منطقة تحيط بها صبرا وشاتيلا وتجار مخدرات وغيرهم، و"رغم ذلك عالجنا هذا الموضوع ونعالجه باستمرارية".
أزمة أخرى غير محكيّة، ألا وهي راتب العسكري. بالنسبة إلى العسكر، من المطلوب منهم ضبط أمن بلد شهد نزوحًا سوريًا وحربًا إسرائيلية وانهيارًا اقتصاديًا، فيما راتب العسكري 300 دولار، و"ماسك كل الأمن"، ويُراد له أن يقوم بمهام أمنية بكل حماس ودون أي تقصير. أما من اقتربوا من التقاعد، فمظلوميتهم أقسى. هؤلاء، أفنوا 30 عامًا من عمرهم ليحصلوا على تعويض 1000 دولار.
وصحيح بأنّ المدير العام الجديد لقوى الأمن، اللواء رائد عبدالله، قام بتحسينات انعكست إيجابًا على أوضاع العسكر، كإعطائهم بونات البنزين التي حرمهم منها المدير العام السابق عماد عثمان، وكذلك عمل على تحسين وضع الطبابة (في العهد السابق كان عناصر قوى الأمن الداخلي الوحيدين بين الأجهزة الأمنية المحرومين كليًا من الطبابة، حتى ولو أُصيب العسكري خلال مهامه الأمنية)، وكذلك عالج عبدالله أزمة عسكر الفرار في قوى الأمن... لكن رواتب العسكر وتعويضات نهاية الخدمة هي المشكلة الجوهرية، والتي تتخطى المديرية العامة لقوى الأمن ووزارة الداخلية إلى سياسة حكومة ودولة، فهي لا تُحل إلا عبر حل شامل لرواتب القطاع العام، علمًا أننا هنا نتحدث عن قوى أمنية، مولجة أمن الدولة والمواطنين، وقد وصل بها الحال خلال سنوات الأزمة إلى تقليص عدد دوريات في ملف الدعارة، على سبيل المثال لا الحصر، لأنه، ببساطة، لم يكن هناك مال لشراء وقود لتسيير تلك الدوريات! هكذا "تباطأ" الأمن، تباطؤًا "خفيًا"، تسببت به منظومة الانهيار اللبناني، مع صفر محاسبة لها.
كاميرات المراقبة عائدة!
منذ عام، في مقابلة لـ"نداء الوطن" مع قائد شرطة بيروت، كشفنا عن أهمية كاميرات الرادار أو كاميرات المراقبة المعطلة، والتي يبلغ عددها تقريبًا 1650 كاميرا في بيروت، 70% منها معطلة بفعل عدم الصيانة خلال الانهيار، وبعضها تعطل بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، فيما أصبح 90% منها خارج الخدمة بسبب الحاجة إلى تفعيل Update جديد لنظامها.
ولكم تخيل الجهد الاستثنائي، الذي لا يعوض بفارق النسبة المئوية، قدرة الكاميرا على تغطية نطاق كامل 7/24 ساعة من الطريق، وضبط نمر السيارات والمارة وتفكيك الجرائم، لكنه يثبت أن القوى الأمنية تعمل "باللحم الحيّ"، رغم أنها دفعت فاتورة الانهيار، المسؤول الأساسي اليوم عن غياب منظومة مراقبة لطريق المطار الدولي، و"تصعيب" المهام الأمنية على الأجهزة الأمنية، وهو ما يرتد مباشرة، بالسلب، على المواطن الضحية!
يبقى أن هناك خبرًا إيجابيًا على هذا الصعيد. فـ"مصادر الداخلية" تقول لـ"نداء الوطن" إن الوزارة تعمل على إعادة تفعيل غرفة التحكم المروري وإصلاح وتوسيع شبكة كاميرات المراقبة وإشارات السير وربطها بالغرفة… علمًا أن جزءًا من التمويل بات مؤمنًا بالفعل.
والدة أحد الناجين: نشعر بالذنب!
تروي والدة أحد الشبان الناجين من إحدى حوادث "الحجارة القاتلة" على طريق المطار، تجربة العائلة. تقول: "في 27 أيار، كان ابني ورفاقه مارين من طريق المطار، وقعت على سيارتهم صخرة، وبفارق ثوان فقط، كانت الصخرة لتستهدف ابني الذي نجا بعناية إلهية، وأحمد الله على ذلك".
لم تقدم السيدة بلاغًا رسميًا في حينه. تقول: "اتصلنا بأحد الأجهزة الأمنية، قالوا لنا بأن هذه الحالات دائمًا تحصل في الليل وليس في النهار". أُحبطنا بعد هكذا إجابة من مصدر أمني، وفضّلت عدم البهدلة طالعة نازلة لتقديم شكوى في بيروت، وصرفت النظر.
هذه السيدة، رغم نجاة ابنها، نادمة اليوم. تعبر عن ذلك بقولها: "وقت مات المواطن محمد حمزة، حسيت حالي غلط. حاسة حالي guilty اليوم، شكلها حادثة رمي الحجارة كانت دايمًا عم تحصل، يمكن لو وقتها عملنا ضجة كبيرة، كانت القوى الأمنية تحركت". وتستأنف: "لازم يحطوا كاميرات، ينزل الدرك يعمل حواجز، مش بس عالسرعة، بل أيضًا عالأمن، خصوصًا بسبب حوادث سرقات طريق المطار، فرفيقتي تعرضت لرمي البيض على سيارتها في المنطقة، فاضطرت لإيقاف السيارة، وكان فعل الرمي محاولة إلهاء، بهدف السرقة".
والد محمد حمزة: سأجلّس الدولة!
"خسرت ابني، وخسرنا معيلا لثلاث عائلات"، يقول يوسف كمال حمزة، والد ضحية الحجارة القاتلة على طريق المطار، محمد حمزة. فعائلته الصغرى، أي زوجته وابنه، عمره 9 سنوات، وابنته الطفلة، عمرها 6 سنوات، خسروا الزوج والأب. أما العم يوسف فخسر الابن. لكنهم أيضًا خسروا معيلهم.
يقول العم يوسف: "أقطن مع عائلة ابني في المنزل، وهو معيلي، وهو كذلك معيل لعائلة أخيه الضرير (بعد حادث تعرض له منذ سنوات)، فيما بيتنا بالإيجار، واليوم خسارتنا كبيرة جدًا ولا تعوض على المستوى الإنساني، ويضاف إليها الهمّ الاقتصادي، حيث تركنا جميعنا بلا معيل جراء حادثة حرمتنا ابننا، وكان يمكن للدولة تفاديها لو أوقفت رامي الحجارة، قاتل ابني، منذ الحادثة الأولى لرميه الحجارة على طريق المطار".
وعن الساعات الأولى للحادثة، يتحدث العم، ابن الـ75 عامًا. يقول: "رفضت مستشفى رفيق الحريري، رغم أنها مستشفى حكومي، أن تعترف بالتأمين. عاش ابني طيلة عمره يحاول أن يمنع عنا البهدلة، وإذا بمستشفى حكومي لا يعترف بالتأمين، لكن أقله اعترفوا بالضمان"!
يقول العم، المفجوع بموت ابنه: "طلبت مني الأجهزة الأمنية أن أذهب لأسحب سيارة ابني عن الأوتوستراد لأنها تعطّل السير". وكأنه، دون أن يعبر بوضوح، كان يقصد أن الإجراءات تصبح واضحة وموجهة بعد وقوع المصيبة، سيما إن كان مطلوبًا من المواطن تنفيذها!
عبر "نداء الوطن"، يطالب يوسف كمال حمزة رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ووزير الداخلية أحمد الحجار، "بحق دم ابني ما يروح ضيعان". ويناشدهم دعم العائلات الثلاث، التي فارق معيلها الحياة، بتقصير من الدولة.
وقرر العم يوسف "التريث قليلا، ريثما أرى ما إذا كانت الدولة ستنظر لوضع العائلة بعد تيتمنا من بعد ابني محمد"، وإلا "فسألفّ بيروت، شارعًا شارعًا، وأوزّع المناشير، تمامًا بقياس المناشير الورقية لمرشحي الانتخابات"... حتى حق ابني ما يضيع ويصير عنا دولة"!
ولم يغفل العم يوسف عمره. يقول: "أنا ابن الـ75 سنة، بدي جلّس الدولة، مش كرمالي يا بنتي، كرمال عيلة تشردت، تا أمّن هالأطفال، بحب الحياة والتعاطي الإيجابي، وربيت ولادي على هالأساس، ما تعلمنا نمدّ إيدنا للعالم". وتأكيدًا على جديته في هذا التصرف، يقول: "بدي فوت بين الألغام"، بمعنى أنه يريد التصعيد وصولا إلى تحقيق فكرة الدولة التي تحمي مواطنيها.
أولويات الدولة اللبنانية!
العم يوسف، وأم الشاب الناجي، مثالان لمواطنة شعرت بالذنب، وبأنها مسؤولة، عبر تبليغ القوى الأمنية، عن حماية مواطنين آخرين، ومواطن، أب مفجوع على ابنه، لم يمنعه عمره من حس المسؤولية في "تجليس الدولة".
إلا أنّ مشهد "الحجارة القاتلة" عند مدخل بيروت ليس سوى مرآة لانهيار الدولة: فكيف عطّلت منظومة الانفجار والانهيار 1650 كاميرا مراقبة في بيروت؟ وماذا تقول مصادر الداخلية حول إعادة تفعيلها؟ وكيف تحولت رواتب القوى الأمنية "نقمة" على مهامهم الأمنية؟ وهل تكون عائلة محمد حمزة، التي تيتمت، ووالده، ابن الـ75 عامًا، الذي يوجه رسالة عبر "نداء الوطن" إلى الرؤساء الثلاث كي لا يضيع دم ابنه هدرًا، ويطلق تحذيرًا، بأن يلف شوارع بيروت "شارعًا شارعًا" ويحمل المناشير "حتى تعود الدولة"، أحرص على الدولة من نفسها؟
الحجار يطلب توقيف المعتدي
وكان وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار قد طلب من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي تكثيف جهودها الأمنية لكشف هوية الأشخاص الذين يعمدون إلى رمي الحجارة على السيارات على طريق مطار رفيق الحريري الدولي – بيروت، وتوقيفهم بالسرعة القصوى واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، بعد حادثة نجا فيها سائق، بتاريخ 21 أيلول الحالي.
24 ساعة فقط، استطاعت فيها شعبة المعلومات في بيروت إيجاد رامي الحجارة القاتلة، ع.ف، على الرغم من محاولته تغيير هندامه ومكان سكنه. وهو ما اعتُبر إنجازًا للشعبة.
إلا أنّ هذا الإنجاز لا يمحو سؤالا آخر: لماذا لم يتم توقيف المعتدي منذ شباط الماضي، أي منذ أول شكوى ضد حوادث رمي الحجارة، التي تبين أنها جميعها ارتكبها الشخص نفسه؟
مصادر أمنية: أوقفناه خلال 24 ساعة!
مصادر أمنية، بدورها، تصف قدرة شعبة المعلومات في بيروت على توقيف الفاعل خلال 24 ساعة، بـ"الإنجاز"، سيما وأن "عملية البحث لم تكن سهلة، ومن بين كل الأجهزة استطاعت الشعبة تحقيق المهمة بسرعة فائقة".
وتحث المصادر المواطنين على تقديم شكوى رسمية، وعبر خدمة "بلّغ"، وعدم التردد بالتبليغ، موضحة أنه رغم الحديث في الإعلام عن تكرار حادثة رمي الحجارة بشكل كثيف، إلا أن قوى الأمن الداخلي لم تتبلغ إلا بـ3 شكاوى رسمية: فهناك حادثة حصلت في 12 أيلول الحالي، وهي حادثة المواطن محمد حمزة، وحادثة المواطن الذي نجا في 21 أيلول، وفي 22 أيلول أوقفنا المعتدي، أي خلال 24 ساعة، علمًا أنه أيضًا كانت هناك شكوى قديمة في شهر شباط الماضي، كنا قد حققنا بها في حينه.
ننقل "لوم" اللبنانيين للأجهزة الأمنية، الذي تُرجم بوضوح على مواقع التواصل فترد المصادر: "نتفهم حزنهم، وهو حزننا أيضًا، على المواطن محمد حمزة، لكننا نعمل قصارى جهدنا للحفاظ على الأمن في أسوأ أعوام الانهيار والحرب، ورغم كل الظروف الصعبة اليوم، فالسرقات انخفضت بنسبة 60-65%، وأعداد السيارات المسروقة انخفضت بنسبة 15%، وكذلك انخفضت أعداد القتلى...".
أما طريق المطار، على وجه الخصوص، فتحيل المصادر تكرار حوادث السرقة إلى أنها منطقة تحيط بها صبرا وشاتيلا وتجار مخدرات وغيرهم، و"رغم ذلك عالجنا هذا الموضوع ونعالجه باستمرارية".
أزمة أخرى غير محكيّة، ألا وهي راتب العسكري. بالنسبة إلى العسكر، من المطلوب منهم ضبط أمن بلد شهد نزوحًا سوريًا وحربًا إسرائيلية وانهيارًا اقتصاديًا، فيما راتب العسكري 300 دولار، و"ماسك كل الأمن"، ويُراد له أن يقوم بمهام أمنية بكل حماس ودون أي تقصير. أما من اقتربوا من التقاعد، فمظلوميتهم أقسى. هؤلاء، أفنوا 30 عامًا من عمرهم ليحصلوا على تعويض 1000 دولار.
وصحيح بأنّ المدير العام الجديد لقوى الأمن، اللواء رائد عبدالله، قام بتحسينات انعكست إيجابًا على أوضاع العسكر، كإعطائهم بونات البنزين التي حرمهم منها المدير العام السابق عماد عثمان، وكذلك عمل على تحسين وضع الطبابة (في العهد السابق كان عناصر قوى الأمن الداخلي الوحيدين بين الأجهزة الأمنية المحرومين كليًا من الطبابة، حتى ولو أُصيب العسكري خلال مهامه الأمنية)، وكذلك عالج عبدالله أزمة عسكر الفرار في قوى الأمن... لكن رواتب العسكر وتعويضات نهاية الخدمة هي المشكلة الجوهرية، والتي تتخطى المديرية العامة لقوى الأمن ووزارة الداخلية إلى سياسة حكومة ودولة، فهي لا تُحل إلا عبر حل شامل لرواتب القطاع العام، علمًا أننا هنا نتحدث عن قوى أمنية، مولجة أمن الدولة والمواطنين، وقد وصل بها الحال خلال سنوات الأزمة إلى تقليص عدد دوريات في ملف الدعارة، على سبيل المثال لا الحصر، لأنه، ببساطة، لم يكن هناك مال لشراء وقود لتسيير تلك الدوريات! هكذا "تباطأ" الأمن، تباطؤًا "خفيًا"، تسببت به منظومة الانهيار اللبناني، مع صفر محاسبة لها.
كاميرات المراقبة عائدة!
منذ عام، في مقابلة لـ"نداء الوطن" مع قائد شرطة بيروت، كشفنا عن أهمية كاميرات الرادار أو كاميرات المراقبة المعطلة، والتي يبلغ عددها تقريبًا 1650 كاميرا في بيروت، 70% منها معطلة بفعل عدم الصيانة خلال الانهيار، وبعضها تعطل بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، فيما أصبح 90% منها خارج الخدمة بسبب الحاجة إلى تفعيل Update جديد لنظامها.
ولكم تخيل الجهد الاستثنائي، الذي لا يعوض بفارق النسبة المئوية، قدرة الكاميرا على تغطية نطاق كامل 7/24 ساعة من الطريق، وضبط نمر السيارات والمارة وتفكيك الجرائم، لكنه يثبت أن القوى الأمنية تعمل "باللحم الحيّ"، رغم أنها دفعت فاتورة الانهيار، المسؤول الأساسي اليوم عن غياب منظومة مراقبة لطريق المطار الدولي، و"تصعيب" المهام الأمنية على الأجهزة الأمنية، وهو ما يرتد مباشرة، بالسلب، على المواطن الضحية!
يبقى أن هناك خبرًا إيجابيًا على هذا الصعيد. فـ"مصادر الداخلية" تقول لـ"نداء الوطن" إن الوزارة تعمل على إعادة تفعيل غرفة التحكم المروري وإصلاح وتوسيع شبكة كاميرات المراقبة وإشارات السير وربطها بالغرفة… علمًا أن جزءًا من التمويل بات مؤمنًا بالفعل.
والدة أحد الناجين: نشعر بالذنب!
تروي والدة أحد الشبان الناجين من إحدى حوادث "الحجارة القاتلة" على طريق المطار، تجربة العائلة. تقول: "في 27 أيار، كان ابني ورفاقه مارين من طريق المطار، وقعت على سيارتهم صخرة، وبفارق ثوان فقط، كانت الصخرة لتستهدف ابني الذي نجا بعناية إلهية، وأحمد الله على ذلك".
لم تقدم السيدة بلاغًا رسميًا في حينه. تقول: "اتصلنا بأحد الأجهزة الأمنية، قالوا لنا بأن هذه الحالات دائمًا تحصل في الليل وليس في النهار". أُحبطنا بعد هكذا إجابة من مصدر أمني، وفضّلت عدم البهدلة طالعة نازلة لتقديم شكوى في بيروت، وصرفت النظر.
هذه السيدة، رغم نجاة ابنها، نادمة اليوم. تعبر عن ذلك بقولها: "وقت مات المواطن محمد حمزة، حسيت حالي غلط. حاسة حالي guilty اليوم، شكلها حادثة رمي الحجارة كانت دايمًا عم تحصل، يمكن لو وقتها عملنا ضجة كبيرة، كانت القوى الأمنية تحركت". وتستأنف: "لازم يحطوا كاميرات، ينزل الدرك يعمل حواجز، مش بس عالسرعة، بل أيضًا عالأمن، خصوصًا بسبب حوادث سرقات طريق المطار، فرفيقتي تعرضت لرمي البيض على سيارتها في المنطقة، فاضطرت لإيقاف السيارة، وكان فعل الرمي محاولة إلهاء، بهدف السرقة".
والد محمد حمزة: سأجلّس الدولة!
"خسرت ابني، وخسرنا معيلا لثلاث عائلات"، يقول يوسف كمال حمزة، والد ضحية الحجارة القاتلة على طريق المطار، محمد حمزة. فعائلته الصغرى، أي زوجته وابنه، عمره 9 سنوات، وابنته الطفلة، عمرها 6 سنوات، خسروا الزوج والأب. أما العم يوسف فخسر الابن. لكنهم أيضًا خسروا معيلهم.
يقول العم يوسف: "أقطن مع عائلة ابني في المنزل، وهو معيلي، وهو كذلك معيل لعائلة أخيه الضرير (بعد حادث تعرض له منذ سنوات)، فيما بيتنا بالإيجار، واليوم خسارتنا كبيرة جدًا ولا تعوض على المستوى الإنساني، ويضاف إليها الهمّ الاقتصادي، حيث تركنا جميعنا بلا معيل جراء حادثة حرمتنا ابننا، وكان يمكن للدولة تفاديها لو أوقفت رامي الحجارة، قاتل ابني، منذ الحادثة الأولى لرميه الحجارة على طريق المطار".
وعن الساعات الأولى للحادثة، يتحدث العم، ابن الـ75 عامًا. يقول: "رفضت مستشفى رفيق الحريري، رغم أنها مستشفى حكومي، أن تعترف بالتأمين. عاش ابني طيلة عمره يحاول أن يمنع عنا البهدلة، وإذا بمستشفى حكومي لا يعترف بالتأمين، لكن أقله اعترفوا بالضمان"!
يقول العم، المفجوع بموت ابنه: "طلبت مني الأجهزة الأمنية أن أذهب لأسحب سيارة ابني عن الأوتوستراد لأنها تعطّل السير". وكأنه، دون أن يعبر بوضوح، كان يقصد أن الإجراءات تصبح واضحة وموجهة بعد وقوع المصيبة، سيما إن كان مطلوبًا من المواطن تنفيذها!
عبر "نداء الوطن"، يطالب يوسف كمال حمزة رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ووزير الداخلية أحمد الحجار، "بحق دم ابني ما يروح ضيعان". ويناشدهم دعم العائلات الثلاث، التي فارق معيلها الحياة، بتقصير من الدولة.
وقرر العم يوسف "التريث قليلا، ريثما أرى ما إذا كانت الدولة ستنظر لوضع العائلة بعد تيتمنا من بعد ابني محمد"، وإلا "فسألفّ بيروت، شارعًا شارعًا، وأوزّع المناشير، تمامًا بقياس المناشير الورقية لمرشحي الانتخابات"... حتى حق ابني ما يضيع ويصير عنا دولة"!
ولم يغفل العم يوسف عمره. يقول: "أنا ابن الـ75 سنة، بدي جلّس الدولة، مش كرمالي يا بنتي، كرمال عيلة تشردت، تا أمّن هالأطفال، بحب الحياة والتعاطي الإيجابي، وربيت ولادي على هالأساس، ما تعلمنا نمدّ إيدنا للعالم". وتأكيدًا على جديته في هذا التصرف، يقول: "بدي فوت بين الألغام"، بمعنى أنه يريد التصعيد وصولا إلى تحقيق فكرة الدولة التي تحمي مواطنيها.
أولويات الدولة اللبنانية!
العم يوسف، وأم الشاب الناجي، مثالان لمواطنة شعرت بالذنب، وبأنها مسؤولة، عبر تبليغ القوى الأمنية، عن حماية مواطنين آخرين، ومواطن، أب مفجوع على ابنه، لم يمنعه عمره من حس المسؤولية في "تجليس الدولة".