رميش... بلدة الحدود والصمود
9/30/2026 6:56:05 AM
روجيه نهرا - نداء الوطن
اختار أبناء رميش الصمود في بلدتهم، رغم المخاطر فالبقاء بالنسبة إليهم لا يرتبط فقط بالأرض، بل بعلاقة عميقة تتجاوز المسافات والظروف ويقول أحد أبناء رميش: «عشت معظم وقتي خارج رميش لكن بعد تقاعدي أول ما فكرت فيه أن أعود".
تقع رميش في قضاء بنت جبيل تبعد عن بيروت نحو 125 كيلومتراً وتبلغ مساحتها نحو 20 كيلومتراً مربعاً. يبلغ عدد سكانها نحو 11,350 نسمة، يقيم منهم أكثر من 6,000 نسمة بصورة دائمة فيما يرتفع العدد صيفاً إلى ما بين 8,000 و9,000 نسمة وتضم نحو 1200 وحدة سكنية، إضافة إلى ما يقارب 400 مؤسسة تجارية، وفق جداول التكليف الخاصة برسوم القيمة التجارية العائدة للبلدية.
تعود نشأة رميش بحسب الروايات إلى أواخر القرن السابع عشر حين قدم أجداد السكان الحاليين واستقروا في الأرض بهدف الزراعة وتفيد الروايات بأن العائلات الأولى جاءت من شمال لبنان وجبل لبنان، إضافة إلى مناطق في الجنوب وخصوصاً من محيط صيدا. وكما تروي بعض المصادر المحلية أن جزءاً من العائلات وصل إلى المنطقة في عهد الأمير فخر الدين المعني في إطار توجهه لتطوير الزراعة في جبل عامل، حيث يُقال إنه شجّع على انتقال مزارعين من الشوف وجبل لبنان للاستقرار في المنطقة والعمل في الزراعة.
وعند وصول السكان الأوائل إلى رميش، كانت في المنطقة بركتان طبيعيتان، فاستقر السكان حولهما وكان أول ما بادروا إلى إنشائه بناء كنيسة مار جرجس، ومع مرور الوقت، انتشر البناء وامتد إلى التلال والمناطق المحيطة، فتوسعت رقعتها العمرانية لتأخذ شكلها الحالي أما تسمية «رميش»، فتتعدد الروايات حول أصلها فهناك من يربطها بكلمة «رمش» فيما تشير رواية أخرى إلى أنها تعني «الغروب» وهي الرواية الأرجح بحسب المتداول.
تضم رميش كنيستين قديمتين، تعود جذور بنائهما إلى مرحلة استقرار الأهالي الأوائل في البلدة، في أواخر القرن السابع عشر. إلا أن هاتين الكنيستين تعرضتا، للدمار نتيجة الحروب والجيوش التي تعاقبت على المنطقة، إضافة إلى احتمال تعرضهما لأضرار جراء الزلازل. أما الكنيسة القديمة القائمة اليوم، فيعود بناؤها إلى ما بعد عام 1800، بعدما تعرضت البلدة خلال عهد أحمد باشا الجزار للتهجير والتدمير الذي طال الكنيسة وبعد عودة الأهالي إلى بلدتهم، أعادوا بناء الكنيسة التي بقيت قائمة حتى اليوم، شاهدة على تاريخ رميش.
وفي 1995، أُدرجت الكنيسة على لائحة الأبنية والمواقع الأثرية والتاريخية وهي تتميز بمذبحها الفريد الذي يختلف في تصميمه عن المذابح التقليدية المعروفة في عدد من الكنائس. أما الكنيسة الثانية فهي كنيسة التجلي، وقد بدأ بناؤها عام 1995 واكتمل تقريباً عام 2000 وتتسع لنحو ألف شخص.
يعتمد اقتصاد رميش على الزراعة، وفي مقدمتها زراعة التبغ والزيتون إضافة إلى الخضروات وتربية المواشي والنحل وفي حديثه لـ «نداء الوطن»، أوضح رئيس البلدية حنا العميل أنه انطلاقاً من البرنامج الإنمائي الذي وضعه المجلس البلدي بوشر العمل على تنفيذ المشاريع، في مقدّمها مشروع فرز النفايات ومعالجتها وكانت خطة البلدية الانتقال إلى المرحلة الثانية من المشروع، بتحويل النفايات العضوية إلى أسمدة عضوية إلا أن اندلاع الحرب أدى إلى توقف المشروع وتؤكد البلدية عزمها على إعادة إطلاقه لأن نجاح الخطوة سيؤدي إلى خفض كمية النفايات التي تُطمر وجعل عملية إدارة النفايات أكثر استدامة.
وأضاف رئيس البلدية أنه ومنذ حرب 2023، تعيش رميش حالة عزلة وتعمل البلدية على تأمين مجموعة واسعة من الخدمات، فبعدما كان التركيز منصباً على استقطاب المشاريع الإنمائية وتنفيذها، أصبح الهم الأساسي تأمين المساعدات الغذائية للأهالي.
وفي هذا الإطار، بات تنظيم القوافل التي تنقل المساعدات من رميش إلى بيروت أو من بيروت إلى رميش يحتل جزءاً كبيراً من عمل البلدية وهذه القوافل تحتاج إلى تنظيم وإعداد ملفات وتسليمها إلى الجيش اللبناني الذي يتولى بدوره إحالتها إلى «الميكانيزم» واليونيفيل إلا أن القوافل تواجه في كثير من الأحيان عراقيل تؤدي إلى تأخيرها أو إلغائها.
اقتصادياً، تشير المعطيات إلى أن ما بين 40 و50 في المئة من الأراضي الزراعية باتت خارج قدرة الأهالي على الوصول إليها ولم يتمكن المزارعون من قطاف الزيتون منذ ثلاث سنوات كذلك تعرض قطاع تربية المواشي لخسائر إذ إن معظم المزارع الموجودة في النطاق الجغرافي تعرضت للقصف ونفقت أعداد كبيرة من الحيوانات.
ومن أبرز احتياجات الأهالي تأمين فرص العمل. فقبل الحرب، كانت رميش تشهد سنوياً إطلاق ما بين 50 و60 ورشة بناء، أما منذ اندلاع الحرب، فقد توقفت أعمال البناء كلياً، ولم يقتصر تأثير ذلك على قطاع البناء، بل طال أيضاً المهن الحرة والمصالح المرتبطة به، فضلاً عن المحال التي كانت تؤمّن مواد البناء، والتي توقفت عن العمل.
التعليم... أعباء متزايدة
وعلى الصعيد التربوي، تضم رميش خمس مدارس، ثلاث مدارس رسمية ومدرستان خاصتان، وقبل الحرب، كان عدد التلاميذ في المدرستين الخاصتين يتجاوز 1200 تلميذ، فيما يبلغ العدد حالياً نحو 800 تلميذ، في ظل تراجع قدرة الأهالي على تحمل الأعباء المدرسية ما انعكس أيضاً على المؤسسات التعليمية، التي اضطرت إلى صرف عدد من أفراد الهيئة التعليمية والموظفين.
وفي هذا الإطار، تحاول البلدية، بالتعاون مع الجمعيات والكنيسة والفعاليات مساعدة الأهالي عبر تأمين جزء من الأقساط.
المشكلة في الحالات الطارئة
تتوافر في رميش مجموعة أطباء وصيدليات ومستوصفات لكن المشكلة في الحالات الطارئة إذ لا يوجد مستشفى داخل المنطقة وفي بعض الحالات، كان الصليب الأحمر يضطر إلى الانتظار يومين أو ثلاثة للحصول على الإذن بالتحرك وهو أمر قد يشكل خطراً على حياة المرضى. أما في الفترة الحالية، فقد تحسن الوضع وبات الصليب الأحمر قادراً على نقل المرضى في اليوم نفسه. وفي هذا السياق، يطالب المجلس البلدي بتعزيز القطاع الصحي في البلدة، وتأمين قدرات إضافية للطوارئ.
الحياة الدينية والثقافية
على الصعيد الديني والثقافي، تضم رعية مار جرجس، شفيع البلدة، وتحمل الكنيسة الرئيسية اسم القديس مار جرجس، إلى جانب كنيسة التجلي. وفي السادس من آب من كل عام، تحتفل البلدة بعيد التجلي كما تحيي عيد الصليب من خلال مجموعة نشاطات ومن أبرز المناسبات السنوية أيضاً سوق الميلاد، الذي يشارك فيه أبناء القرى المجاورة ويحظى بمشاركة عناصر اليونيفيل.
ذاكرة أثرية مفتوحة
تزخر رميش ومحيطها بمواقع ومعالم أثرية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة وقد ظهرت في أكثر من موقع آثار أثناء أعمال الحفر وورش البناء، إلا أن بُعد البلدة عن المدن الرئيسية جعل اهتمام الدولة، ولا سيما المديرية العامة للآثار محدوداً. ومن أبرز المواقع الأثرية مزرعة أطمون التابعة لرميش حيث يوجد صرح أثري يضم كنيسة ومبانٍ سكنية قديمة واستمرت الحياة فيها حتى بدايات القرن العشرين.
كما تضم البلدة مزرعة تُعرف باسم «سموقية»، فيها معالم وآثار بينها آبار محفورة في الصخر وبقايا منازل قديمة وكانت عائلات تقصد هذه المنازل صيفاً قبل أن تعود في الشتاء إلى رميش وتظهر الاكتشافات الأثرية بصورة متكررة خلال أعمال البناء والحفر وعُثر على آثار تعود إلى الحقبة الرومانية والبيزنطية، والمملوكية والعثمانية ما يعكس تنوع الحقب الحضارية التي مرت بها.
بلدة تستقبل النازحين
ارتبط تاريخ البلدة بمحطات احتضنت خلالها النازحين والمهجرين ففي عام 1948، كانت رميش تضم نحو ألفي نسمة لكنها استقبلت قرابة عشرة آلاف فلسطيني لأكثر من عام كما استضافت خلال حروب لبنان في الثمانينيات والتسعينيات عائلات نازحة من شرق صيدا وإقليم الخروب والجبل وفي حرب تموز 2006، فتحت رميش منازلها أمام أكثر من 10 نازح ومع الجولة الأخيرة من الحرب في آذار، استقبلت نازحين قبل أن تضطر هذه العائلات إلى مغادرتها لاحقاً بسبب الظروف الأمنية متوجهة إلى صيدا وصور وبيروت.