في الذكرى الثانية: الأسد ينجح من جديد... "أقاتل النصرة"
اسكندر خشاشو
01/01/0001
تدخل "الثورة السورية" عامها الثالث، وعلى الرغم من الحشد الدولي والاعلامي الكبير الداعم لها، الا انها في لغة الواقع لم تستطع حتى الساعة أن تحقّق أي إنجاز له وقعه، فلا مدينة محررة ولا قيادة سياسية موحّدة ولا فرق مقاتلة متجانسة إنما فوضى ودمار وضرب معالم ونشاط عصاباتي طائفي يكبر ويزداد يومًا بعد يوم.
تدخل "الثورة" التي رفعت شعار"السلمية" في بدايات عامها الثالث مضيفة اليه فصائل عسكرية ومعارك وجبهات ومئات آلاف القتلى والجرجى والمشردين، وهذا ربما ثمن التحرر والعيش الكريم، قبل أن تُسرق الشعارات النبيلة وتحلّ مكانها لغة الخطف والذبح والولايات الدينية والمذهبية.
تعاطف العالم بأسره مع شعب ثائر يرفض الاضطهاد والظلم ويتعرض للتنكيل والقتل... ساعد وضغط وقاتل في السياسة لنصرته وجنّد له كافة العوامل المساعدة من الأموال إلى الإعلام، حيث جُنّدت عشرات وسائل الإعلام العالمية صاحبة التأثير الكبير لعرض مآسي شعب وما يتعرّض له.
عُزل نظام وأصبح رئيسه كـ"هولاكو" و"دراكولا" برأي الملايين، لكنه استمر وصمد برغم الضغوط الهائلة والانتكاسات وربما الخسائر التي مُني بها.
إلا أنه أثبت وفي العام الثالث قدراته الكبيرة، فبقي جيشه موحدًا رغم الانشقاقات التي نسمع عنها من حين إلى آخر، إلا أنها لا تساوي الكثير في اللغة العسكرية على جيش عديده مئات الالاف. وحافظ سلكه الدبلوماسي على تماسكه الشديد، فلم يشهد أي حالة انشقاق على مستوى سفير في اي من الدول رغم الضغوطات الهائلة عليه، وحتى القيادة السياسية حافظت على تماسكها ولم يحصل أي انشقاق مهم سوى انشقاق رئيس الوزراء رياض حجاب والذي بقيت آثاره محدودة جداً.
والأهم من هذا كلّه، علم نظام بشار الأسد كيف يستفيد من أخطاء منافسيه الهائلة ليثبت قدميه أكثر وأكثر وينجح في قلب الرأي العام لصالحه. ويمكن في هذا الاطار ذكر النقاط الآتية:
أولاً: استطاع فك أوصال "المعارضة" حيث استوعب جزءًا منها وأجّج الخلاف بين باقي أفرقائها. ونذكر في هذا الإطار "الحزب الشيوعي السوري" المعروف بمعارضته التاريخية للنظام والذي عين أحد أبرز رموزه قدري جميل وزيراً في الحكومة السورية، اضافة الى شخصيات معارضة لها تاريخها واسمها ونضالها كهيثم مناع وأنور البني اللذين يرفضان فكرة المعارضة من الخارج أو التدخل الخارجي في سوريا ويطالبان بالحوار مع النظام من دون المطالبة بسقوطه.
ثانياً: عمل النظام ونجح في إظهار نفسه على أنه حامي الاقليات في سوريا وحتى في المنطقة عبر التشديد على حماية المناطق "غير السنية" وإعطائها الامتيازات الكبيرة في الدولة. وهذا ما يفسّر الدعم الكبير الذي يناله من الطوائف الأقلوية ومرجعيّاتها الدولية والعالمية وموقف الفاتيكان في هذا الاطار خير دليل اضافة الى مواقف ايران والعراق الشيعيتين.
ثالثاً: رغم القدرات الاعلامية البسيطة والبدائية التي يملكها استطاع الإعلام السوري الموالي ونجح في بعض الأماكن في توجيه المعركة من مواجهة بين النظام والمعارضة إلى قتال مع تنظيمات إسلامية متشددة "إرهابية وتكفيرية". وقد ساعدته المعارضة في هذا الشأن وأخذت تتغنى بانجازات "جبهة النصرة الاسلامية" الموالية لتنظيم القاعدة، على أنها من إنجازات "الجيش الحر" أو بعد تسليط الاعلام على المقاتلين وهويتهم اتضح للجميع ان المعارك "المحدودة" التي حققت فيها المعارضة تقدماً كان المقاتلون فيها من الاسلاميين، وعندما هلل لتحرير محافظة الرقة من الجيش السوري تبين أن من دخل مركز المحافظة هم مقاتلو جبهة النصرة المكروهة من اغلب الرأي العام العالمي والاسلامي، ما خلق "نقزة" وخوفًا لدى الدول الاوروبية والولايات المتحدة التي اتخذت القرار بعدم تسليح المعارضة وادراج "النصرة" على لائحة الارهاب.
رابعاً: أقدم النظام وفي خطوة مهمة جريئة على إعطاء الاكراد الجنسية السورية وسحب الجيش النظامي من مناطقهم (وكأنه اعطاهم نوعاً من الحكم الذاتي)، فحيّد مجموعة كبيرة ومهمة في سوريا عن المعركة التي كانت بدأتها الى جانب المعارضة منذ زمن المظاهرات الكبيرة في القامشلي في الأشهر الأولى من "الثورة"، وما انكفاؤها في الوقت الحالي سوى أكبر دليل على هذا الواقع.
خامساً وأخيراً: الصمود الهائل في القيادة العسكرية رغم تلقيها ضربة قاصمة في انفجار مبنى الأمن القومي في دمشق كانت ممكن ان تقضي على أكبر جيوش العالم لو حصل في دولة غير سوريا، لكن تخطي هذه الضربة بسرعة فائقة كان انجازاً ودليلاً على أن الجيش فعلاً يحمل عقيدة وهو ثابت عليها.
في المقابل، لم تستطع المعارضة، وعلى رغم الدعم الدولي الكبير، أن تحقّق أيّ انجاز سياسي يذكر، فهي لم تستطع إنشاء قيادة موحّدة والاتفاق على خطة عمل واحدة أو حتى تشكيل حكومة منفى، إضافة إلى عدم قدرتها على فرض قراراتها على الفصائل المقاتلة على الأرض التي تتبع قيادات إقليمية ولا تمتثل إلا إلى أوامرها.
وفي النهاية، لا يمكن ظلم كل من انتفض ضد الديكتاتورية والظلم ووصفهم بأنهم متطرفون، انما هناك الكثير ممّن يحملون فعلاً المبادى النبيلة ويسعون الى سوريا ديمقراطية ومتقدمة ويرفضون العنف والقتل وهم ما زالوا يقاتلون بلحمهم الحي وبمظاهراتهم السلمية وباقلامهم، لكن أتى من أبعد عنهم الاضواء وسرق منهم ثورتهم النبيلة والطاهرة وأخذها باتجاه اخر. كما يمكن القول إن الرئيس السوري بشار الأسد نجح في الفترة الاخيرة في نقل المعركة من رئيس يقاتل شعبه ويقتله إلى جيش يقاتل تنظيم القاعدة، وهذا ما تقدم عليه اغلبية الدول في محاربة الارهاب، واستطاع بصمود سلكه الدبلوماسي وقوّة جيشه أن يغيّر المعادلة السياسيّة من لا حوار قبل ذهابه، الى ضرورة الحوار معه.