لقاء الضاحية.. استمرار الخلاف المنظّم مع "الاشتراكي"
صلاح تقي الدين
7/19/2013 6:38:07 AM
ارتفع سقف الشروط والشروط المضادة في وجه رئيس الحكومة المكلّف تمام سلام، فأصبحت المهمة الموكلة إليه شبه مستحيلة على الرغم من الصبر اللامحدود الذي يتمتّع به "البيك" وإصراره "العنيد" على مواقفه المبدئية التي لا مجال للمساومة حولها. وكالعادة، عاد دور رئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط إلى الواجهة، نظراً إلى موقعه الذي أتاح له في الماضي كما في الحاضر، لعب دور الوسيط "الوسطي" بين الأفرقاء "المتشارطين"، فكان اللقاء "الدوري" الذي عقد مساء أول من أمس بين وزراء "التقدمي" غازي العريضي، وائل أبو فاعور وعلاء الدين ترو، والنائب أكرم شهيب وأمين السر العام في الحزب ظافر ناصر، وبين وزيري "حزب الله" محمد فنيش وحسين الحاج حسن، والنائب حسن فضل الله والحاج وفيق صفا، للبحث في ما آلت إليه الأوضاع السياسية العامة وفي مقدّمها جهود تشكيل الحكومة.
واستناداً إلى مصادر معنية، فإن وفد "الاشتراكي" شدّد خلال اللقاء على ضرورة أن يقدّم "حزب الله" تسهيلات، إن لم يكن "تنازلات" لتسهيل مهمة الرئيس سلام، نظراً للضرورة الملحة لتشكيل حكومة كي تأخذ على عاتقها، في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها لبنان والمنطقة، مهمة قيادة السفينة اللبنانية والعبور بها وسط الأنواء التي إن تمكّنت منها، قلبتها على جميع من فيها.
ليس خافياً أن في مقدمة الشروط التي يضعها "حزب الله" أمام الحكومة العتيدة، مشاركة ممثلين عنه، باعتباره أحد المكونات الرئيسية للاجتماع اللبناني، وأن يصار إلى اعتماد ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة" في البيان الوزاري لهذه الحكومة، ناهيك عن ضرورة أن يصار إلى تمثيل الكتل النيابية وفقاً لأحجامها، في إشارة واضحة إلى رغبة الحزب بأن ينال "حليفه الاستراتيجي" رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" العماد ميشال عون، حصته الوازنة في الحكومة، إلى جانب الحصول على "الثلث المعطّل" لفريق "8 آذار" فيها.
كما ليس خافياً أن مشاركة الحزب في الحكومة مباشرة دونها عوائق، ليست داخلية من حيث رفض فريق "14 آذار" الجلوس إلى طاولة مجلس الوزراء مع "حزب الله" فحسب، بل دولية من حيث الضغوط الغربية والعربية لعدم تمثيل الحزب في الحكومة بسبب انخراطه السافر في الحرب السورية ودفاعه عن نظام بشار الأسد، وبالتالي عدم تشكيل منصة تعطي انخراطه في الحرب السورية صبغة شرعية.
غير أن مشاركة الحزب في الحكومة، تضيف المصادر المعنية، مسألة حتمية، إذ إن موقف جنبلاط من هذه المسألة واضح وعلني، وهو عدم استبعاد أي فريق سياسي من الحكومة، ولذلك فهو يسعى إلى أن تأتي جامعة وتضم في صفوفها جميع الفرقاء السياسيين، و"حزب الله" أو من يمثله، في مقدمهم، وقد شدّد الوفد "الاشتراكي" خلال اللقاء على هذه المسألة.
لكن المصادر أوضحت أنه إلى جانب التشديد على عدم استثناء أي فريق من الحكومة، فمن غير المقبول أيضاً أن يصار إلى وضع شروط تعجيزية لضمان هذه المشاركة، وبالتالي على "حزب الله" أن يسهّل قدر المستطاع عملية تشكيل الحكومة وذلك عبر "خفض سقف الشروط" ومنها "الثلاثية" الشهيرة في البيان الوزاري، والتخلّي عن "الثلث المعطّل" لمصلحة القبول بمنطق الرئيس سلام بأنه "الضامن" لجميع الأفرقاء.
لم تكن مهمة الوفد "الاشتراكي" سهلة، ذلك أن "حزب الله" على ما يبدو لا يزال متمسكّاً بالشروط نفسها التي وضعها أمام الحكومة، على الرغم من أن المواقف التي أعلنها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وعبّر فيها عن موقفه وموقف "حزب الله"، أوحت بتخلّي "الثنائي الشيعي" عن الثلث المعطّل، لكن كل ما يطالب به الحزب يصبّ في خانة الحصول على هذه الحصة في الحكومة إن لم يكن بـ"الجملة" فليكن بـ"المفرّق".
كيف ذلك؟ لقد طالب الرئيس بري بأن تكون حصة الشيعة 5 وزراء في التشكيلة الحكومية التي يطرحها الرئيس سلام من 24 وزيراً، وهي ترتفع إلى 6 وزراء إذا كانت التشكيلة من 30 وزيراً. ويطالب عون بالحصول على 5 مقاعد في حكومة من 24 وزيراً وذلك استناداً لحجم تمثيله النيابي، فإذا نجح رئيس الحكومة المكلّف بخفض سقف مطالب عون إلى حدود إعطائه 3 وزراء، فإن رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية يطالب بوزير واحد على الأقل، كذلك يطالب حزب "الطاشناق" إلى جانب وزير للبعث والقومي والنائب طلال أرسلان، ما يجعل مجموع المقاعد الوزارية التي يطالب بها فريق "8 آذار" بـ "المفرّق" 12 وزيراً من أصل 24 وزيراً، وهو أمر غير معقول لا واقعياً ولا منطقياً لأن ذلك لا يشكّل الثلث فحسب، بل يتعداه إلى النصف.
حين كان فريق "8 آذار" موحدّاً وكانت المفاوضات تتم معه على هذا الأساس، كان يطالب بالحصول على ما مجموعه 9 وزراء في تشكيلة من 24 وزيراً كي يضمن "الثلث المعطّل" وكان هذا الفريق، وفي مقدّمهم "الناطقين" باسم "حزب الله" لا يخفون ذلك، بل يجاهرون بموقفهم علناً. خلاصة ذلك، أن تشكيل الحكومة لا يزال في مهب الريح وتتقاذفه شروط تعجيزية من هنا، تقابلها شروط مماثلة من هناك.
غير أن هذا الخلاف حول المسائل الداخلية، قابله توافق على استمرار "تنظيم" الخلاف حول الوضع في سوريا، حيث إن جميع المبررات التي يمكن أن يكون ممثلو "حزب الله" قد عرضوها تفسيراً لمشاركتهم في القتال الدائر في سوريا، لم تقنع الوفد "الاشتراكي"، أو على الأقل، لم يتم الخوض فيها بطريقة معمّقة، ذلك أن الموقف المتباعد بينهما، حول مقاربة الوضع السوري، كان ولا يزال "منظّماً" وتحت "السيطرة".
منطقي أن لا يتقبّل "الاشتراكيون" مشاركة "المقاومين" في تدمير سوريا وذبح أهلها بحجة الدفاع عن نظام ظالم مستبد، ومنطقي أيضاً أن يحاول جنبلاط ألا ينقل هذا الخلاف حول سوريا إلى المناطق الجبلية المتاخمة لمناطق نفوذ "حزب الله"، ومن هنا، كانت ولا تزال، عمليات التنسيق بينهما حول ضبط الوضع على الأرض في هذه المناطق، مكثّفة ويومية، ويندرج ذلك في إطار "تنظيم الخلاف" الذي يحبّذ الطرفان لو أنه ينسحب على باقي المناطق اللبنانية، وباقي الفرقاء "المختلفين" مع بعضهم حول الوضع السوري.