المحكمة "تثق" بميقاتي و"حزب الله" يفنّد دليل الاتصالات
عمر نشابة
01/01/0001
تستمر المحكمة الدوليّة في مديح ذاتها. رئيس قلمها هيرمان فون هابيل أجرى سلسلة من المقابلات، أمس، ليتحدث عن «معايير عملها». أما في بيروت، فقد استمر حزب الله بالهجوم على «استنتاجات» القرار الاتهامي، المبنيّة بمعظمها على بيانات الاتصالات الهاتفيّة
«إن تعاون لبنان مع المحكمة لم يتغير»، قال أمس رئيس قلم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الهولندي هيرمان فون هابيل، الذي تحدث الى «الأخبار» عبر الهاتف من لاهاي. وأضاف: «ليس هناك أي سبب يدعو إلى التشكيك في صدقية رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، الذي أعلن التزامه بالتعاون مع المحكمة». وأكد ثقته «بأن الرئيس ميقاتي سيعمل على تأمين التعاون الكامل»، وذكّر بأن رئيس المحكمة القاضي أنطونيو كاسيزي خلص أخيراً الى أن «السلطات اللبنانية أجرت مساعي معقولة» لتنفيذ مذكرات التوقيف بحق الأشخاص الأربعة المتهمين بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، على أن يودع المدعي العام اللبناني القاضي سعيد ميرزا تقريراً شهرياً بشأن استمرار تلك المساعي لحين القبض على المتهمين وإحالتهم على المحكمة في لاهاي. وأقر فون هابيل بأنه أودع السلطات اللبنانية النسخة المعدلة لقرار الاتهام، وأنها استبدلت بالنسخة الأولى التي أودعت لدى ميرزا في 30 حزيران الفائت (راجع عدد أمس من «الأخبار» صفحة 2).
أما بشأن تسديد مساهمة لبنان المالية للمحكمة والتي تبلغ 49 في المئة من مجموع موازنة المحكمة الدولية، بحسب قرار مجلس الأمن 1757/2007، فأقر فون هابيل بأنها لم تُسدد عن العام الجاري حتى اليوم، علماً بأن مجلس النواب اللبناني لم يصوت عليها. وأشار إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون طالب الحكومة اللبنانية بالوفاء بالتزاماتها بهذا الخصوص. وأضاف: «علينا أن ننتظر موقف الحكومة اللبنانية التي شكلت حديثاً».
نفقات العدالة الدولية
وقد حُدّدت مصاريف المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الحريري والجرائم التي استهدفت جورج حاوي ومروان حمادة وإلياس المرّ بنحو 65 مليون دولار أميركي سنوياً. وأنفقت المحكمة منذ انطلاق عملها حتى الآن نحو 125 مليون دولار أميركي. وشدّد فون هابيل على أن المحكمة تسعى إلى خفض الإنفاق، وأشار في هذا الإطار الى أن مجموع إنفاق 2011 لم يتجاوز 45 مليون دولار حتى آب الجاري. أما بشأن موازنة 2012 فـ«من الصعب حالياً التوقع ما إذا كانت ستزيد أو تنقص عن موازنة العام الجاري». لكنه لفت الى أنه شعر، خلال جولاته لجمع المساهمات المالية الدولية للمحكمة، بأن «الدول المانحة لديها تحديات مالية بسبب الأزمات الاقتصادية الأخيرة». وأفاد بأنه في صدد تحضير ملف إنفاق المحكمة لعام 2012 لإحالته على مجلس إدارتها في نيويورك خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وكانت «الأخبار» قد سألت فون هابيل في 17 نيسان 2010 عن تقرير التدقيق المالي لإنفاق المحكمة الدولية، فأجاب يومها بأن التقرير سيصدر قريباً. لكن، منذ ذلك الوقت، لم تنشر المحكمة أي تقرير يدقق في الإنفاق. وقال فون هابيل أمس إن تقرير المدقق المالي الثاني وضع أخيراً وإنه ينتظر موافقة مجلس الإدارة على نشره. وعندما سئل عن سبب عدم نشر التقرير الأول قال: «ليس لدينا ما نخفيه وسننشر التقريرين قريباً». وهي إجابة بدت مطابقة للإجابة التي قدمها العام الماضي، لكن مع إضافة «قمنا بعمل جيد». وعن رواتب القضاة، قال إنهم لا يقبضونها إلا إذا كانوا في الخدمة الفعلية. لكن كيف يتقاضى القاضي راتبه إذا طلب منه الانضمام الى غرفة الاستئناف التي قد تقتصر مدة عملها على أيام قليلة؟ «إنهم يتقاضون راتباً يومياً»، أجاب فون هابيل. وعند استيضاحه عن قيمة الراتب، أكد أنه يوازي راتب نائب الأمين العام للأمم المتحدة والذي يتراوح بين 15 و20 ألف دولار أميركي شهرياً، بالإضافة الى المخصصات، ما يعني أن القاضي اللبناني في المحكمة الدولية يتقاضى نحو نصف الراتب الشهري لبعض زملائه الذين يعملون في قصر العدل في بيروت مقابل يوم واحد من العمل فقط!
الفرق بين الإعلان والإعلان؟
وفي معرض ردّه على سؤال عن تطبيق القاعدة 76 مكرر من قواعد الإجراءات والإثبات، وفي محاولة منه لتبرير ما بدا مخالفة قاضي الإجراءات التمهيدية للقواعد عبر إصداره أمراً قضى بإعلان القرار الاتهامي من دون استشارة رئيس المحكمة القاضي كاسيزي، أشار فون هابيل إلى الفارق بين «إجراءات الإعلان العام» المذكورة في الفقرة (هاء) من المادة 76 والتي يجيزها رئيس المحكمة، وبين «إرسال نصّ إعلان» في المادة 76 مكرّر. فالمادة 76 تنصّ: «يجوز للرئيس في الحالات التي يُثبت فيها أن محاولات معقولة جرت لتبليغ قرار الاتهام أو الدعوة إلى الحضور أو مذكرة التوقيف إلى المتهم، ولكنها فشلت، أن يقرّر بعد التشاور مع قاضي الإجراءات التمهيدية في هذا الصدد، تنفيذ تبليغ الإجراء بطريقة أخرى، بما في ذلك عن طريق إجراءات الإعلان العام». بينما تنص المادة 76 على الآتي: «يقوم رئيس قلم المحكمة (...) بإرسال نص إعلان الى السلطات في أي دولة من الدول المعنية أو أي هيئة معنية لنشره في الصحف و/أو لبثه في الراديو والتلفزيون و/أو وسائل الإعلام الأخرى، بما فيها شبكة الإنترنت، ويعلم الجمهور بموجبه بوجود قرار اتهام ويدعو المتهم الى تسليم نفسه للمحكمة أو الخضوع في جميع الأحوال لاختصاصها. ويدعو الإعلان كل من يملك معلومات عن مكان وجود المتهم الى إطلاع المحكمة عليها». وبالتالي قد تكون المشكلة مشكلة خطأ في ترجمة القواعد الى العربية!
على أي حال، أعلم فون هابيل «الأخبار» أخيراً بأنه سيرسل خلال الأسبوع المقبل، إلى السلطات اللبنانية، نصّ «الإعلان عن القرار الاتهامي» الذي يفترض بعد ذلك أن ينشر في الصحف والمواقع الإلكترونية ويبث في التلفزيونات والراديو.
فضل الله: دليل الاتصالات ساقط
وفي بيروت، عقد رئيس لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، حسن فضل الله، مؤتمراً صحافياً تمحور مضمونه حول استناد القرار الاتهامي إلى بيانات الاتصالات الهاتفية. ولفت إلى حجم الخرق الذي أصاب قطاع الاتصالات، «وقدرات العدو الإسرائيلي في هذا المجال». وتوقف عن كون المحكمة، التي تزعم أنها تعمل وفق أعلى معايير العدالة الجنائية الدولية، تجاهلت بالكامل ما أثبتته أعلى هيئة دولية للاتصالات لناحية سيطرة إسرائيل على قطاع الاتصالات اللبناني والتحكم به. وقال فضل الله إنه «لا يمكن الاعتماد على دليل الاتصالات علمياً، ولا سيما الاقتران المكاني منه، في قضية حساسة وخطيرة مثل قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري».
ورداً على سؤال عن «ازدواجية المعايير في موضوع داتا الاتصالات واكتشاف العملاء من خلالها» نفى فضل الله أن يكون توقيف شبكات التجسس الإسرائيلية قد تم على أساس الاقتران المكاني، مضيفاً إن «داتا الاتصالات لم تكن هي وسيلة الإثبات، بل هي مؤشر وكانت الأجهزة الأمنية تعمل على هذا المؤشر. عندما يلقى القبض على عميل ما يؤتى بأدلة أخرى حسية وباعترافات. ودليل الاتصالات يكون أحد الأدلة، لا الدليل الوحيد. وأكثر من ذلك، إنه في أحيان أخرى ومن خلال «داتا» الاتصالات كان يلقى القبض على بعض الأشخاص، لكن لا تثبت عليهم التهمة ويتبين أن الأمر مختلف».
وتوقف فضل الله عند كشف بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية سر كشف العملاء، من خلال إشاعة معلومات مفادها أن توقيف المتعاملين مع الاستخبارات الإسرائيلية يتم بناءً على بيانات الاتصالات الهاتفية. وسأل رئيس لجنة الاتصالات النيابية عن «توقيت استخدام هذه التقنية لفترة زمنية، ثم توقفها، ولماذا منذ فترة لا نرى عمليات توقيف لشبكات العملاء والتجسس؟ لماذا كان هذا التدحرج في تهاوي شبكات العملاء، ثم فجأة توقف؟ فهل كان المطلوب إثبات صدقية داتا الاتصالات بكشف بعض شبكات التجسس، وإعلان ذلك والتباهي به بهدف القول إن هذا الدليل له صدقيته؟».
وفي المؤتمر الصحافي، الذي عقده فضل الله في مجلس النواب بحضور وزير الاتصالات نقولا صحناوي، تحدّثت مستشارة الأخير، ديانا بو غنام، عن القرار الذي تبناه الاتحاد الدولي للاتصالات في دورته في المكسيك عام 2010، والذي دان فيه الاتحاد التابع للأمم المتحدة إسرائيل على خروقاتها المستمرة لقطاع الاتصالات اللبناني، وقرصنتها له.