الأصولية السنّية إلى صعود والشيعيّة إلى انكفاء

شارل جبّور

1/6/2014 7:38:17 AM

سقوط البعث العراقي المعادي لإيران أدى إلى فتح المنطقة العربية أمام التمدّد الإيراني، فيما «سقوط» البعث السوري الحليف لطهران أدى إلى إشعال المنطقة في وجه إيران.

 

 

تحوّلان استراتيجيّان عرفتهما المنطقة العربية في أقلّ من عقد: سقوط الرئيس صدام حسين الذي أسقط الدولة-الحاجز أمام تمدّد الثورة الخمينية التي تمكّنت بعد هذا الحدث من وَضع يدها على بلاد ما بين النهرين ومَدّ نفوذها داخل دوَل عربية عدة وتعزيز دورها وحضورها وأوراقها، خصوصاً في ظلّ غَضّ نظر الولايات المتحدة الأميركية في رَدّ ضِمنيّ أميركي على الدول العربية السنّية على أثر أحداث 11 أيلول 2001.

 

والتحوّل الثاني يتصِل بالثورة السورية التي شكّلت محطة مضادة للتحوّل الأول، وذلك باتجاه فرمَلة التمدد الإيراني وبداية تراجع هذا المشروع الذي وصل إلى أوج قوّته عشيّة انطلاق الثورات العربية.

 

ومن أبرز علامات هذا التراجع:

 

أولاً، نهاية المشروع النووي الذي قاتلت إيران من أجل فَرضه وتمريره وتحايلت وسوّفَت، ولكنها عادت وخضعت في نهاية المطاف لشروط المجتمع الدولي.

 

ثانياً، نهاية الدور الإقليمي لحليفها السوري الذي شكّل غطاءً متقدماً لتمدّدها على البحر المتوسط.

 

ثالثاً، التدخّل الإيراني في سوريا، والذي اتخذ أشكالا عدة، أدى إلى ارتفاع منسوب التعبئة السنية-الشيعية، فضلاً عن أنّ تخاذُل المجتمع الدولي أو امتناعه لأسباب غير معلومة عن حسم الصراع السوري أدى إلى صعود التيارات الإسلامية المتطرفة، وهذا الصعود اصطدم بطبيعة الحال بالمكوّنات الإيرانية داخل سوريا وخارجها، الأمر الذي حوّل هذه المكوّنات من موقع الفِعل للدفاع عن النظام إلى موقع ردّ الفعل.

 

وإذا كان سقوط صدام أخرجَ المارد الشيعي من القمقم، فإنّ الانخراط الإيراني في الصراع السوري أخرجَ المارد الأصولي من القمقم، وإعادته إليه أصبحت تفترض عودة إيران إلى القمقم، أي إلى دورها داخل حدودها الجغرافية، وخلاف ذلك يعني أنّ الصراع المذهبي سيبقى مُستعراً ويتجه إلى التمدّد والتوسّع، خصوصاً أنّ طهران ذاقت بنفسها معنى الانتحاريين في العراق، الذين قَدّرت دراسة غربية عددهم بأكثر من خمسة آلاف انتحاري في عام واحد، وهذا الرقم مرشّح للتزايد في ظلّ المناخ المذهبي القائم.

 

وفي موازاة هذا المناخ، هناك مجموعة عوامل غير مساعدة لإيران، منها:

 

أ - دخولها في مسار تفاوضي مع الغرب أدى إلى تجميد دورها الإقليمي المباشر وتحوّلها أكثر حذراً في ممارسة نشاطها، وهذه المفاوضات التي بدأت بالملف النووي ستشمل لاحقاً الدور الإيراني. وبالتالي، دينامية المفاوضات تتّجِه إلى التوَسّع لا العكس، الأمر الذي يجعلها تحت المجهر.

 

ب - الدور الذي أدّته دمشق تاريخياً في كونها تتصدّر عربياً المواجهة مع إسرائيل للمزايدة على الدوَل العربية والإسلامية إنتهى إلى صراع مذهبيّ أدى إلى تفتيت سوريا.

 

ج - الدور الذي أدّاه "حزب الله" في الصراع مع إسرائيل وجعله قبلة أنظار الشعوب العربية والإسلامية انتهى، بنظر أهل السنّة، إلى مكوّن شيعيّ وظيفته استهداف المنطقة وشعوبها.

 

فـ"حزب الله" الذي نجح في تسويق أنه انتصرَ في حرب تموز 2006 ووضعَ يده على السلطة التنفيذية بعد إسقاط الحكومة الحريرية، أصبح اليوم يتلقى الضربات مِن كلّ حدب وصوب: إسرائيل تستهدف كادراته في عقر داره، والأصوليون يفجّرون السيارات المفخخة داخل بيئته التي يفترض أن تكون محصّنة، ومواجهته داخل سوريا كَلّفته وتُكلّفه عشرات الضحايا، ويخوض مواجهة سياسية قاسية للحفاظ على توازن المشهد السياسي، علماً أنّ 14 آذار غير معنيّة بمواجهته مع الإسرائيليين أو التكفيريين كونه يقوم بها بمعزل عن إرادة اللبنانيين ومشورتهم وتنفيذاً لأجندة إيرانية. وبالتالي، فإنّ التقاطع معه محلياً شَرطه العودة إلى الأجندة المحلية.

 

فكلّ المؤشرات تدلّ على أنّ الأصولية السنّية إلى صعود والشيعية إلى انكفاء، والمتضرّر الأكبر من هذا الصعود هو المكوّن الشيعيّ على امتداد العالم العربي، وتحديداً في مناطق النزاع الممتدة من العراق إلى لبنان. والإصرار على مواجهة هذه الأصولية بسلاح مذهبيّ، على غرار إعلان "حزب الله" المواجهة معها، يزيد من صلابة هذه الأصولية وقوّتها وانتشارها، فيما مواجهتها لا تتمّ إلّا بالعودة إلى وصايا الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين إلى عموم الشيعة في مختلف الأوطان: "أوصي أبنائي إخواني الشيعة الإمامية في كلّ وطن من أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا أنفسهم في مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وألّا يميّزوا أنفسهم بأيّ تميّز خاص، وألّا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميّزهم عن غيرهم، وأن يكونوا متساوين في ولائهم للنظام، والقانون، وللاستقرار، وللسلطات العامّة المحترمة".

 

وفي حال لم تتراجع إيران عن مشروعها الإقليمي، ومِن ضمنه انسحاب "حزب الله" من سوريا، فهذا يعني أنّ المنطقة ستتحوّل إلى حمّام من الدم.

All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT