ثلاثينية "6 شباط": الضاحية من حصار إلى حصار
وسام سعادة
2/5/2014 7:07:40 AM
أغلب الظنّ أنّ أحداً من المعنيين بها مباشرة لن يكترث بإحياء ذكراها الثلاثينية، انتفاضة 6 شباط 1984، كما سمّيت في العقد الثاني من حربنا الأهلية اللبنانية، وهو العقد الذي برزت فيه "الإنتفاضات".
واذا كان الجيل الشاب المولود في نهايات الحرب أو السنوات التالية لها مباشرة قد انتقلت اليه بالتواتر أو من طريق الاطلاع، نتفٌ ووقائع وسرديات عن منعطفات احترابية أساسية عديدة من لبنان السبعينيات والثمانينيات، فلا شيء يوحي بأنّ "السادس من شباط" يحتلّ مكانة متقدمة على لائحة الأحداث المستذكرة.
هذا مع أنّ الحدث قدّم نفسه وقت حدوثه في انتفاخة سردية وأسطورية منقطعة النظير، وأسّس بالتالي لما بعده. فمقولة التلاحم بين "الجيش والشعب والمقاومة" تجد أصلها في أسلوب وصف تلك "الإنتفاضة" للانشقاق العسكري، والحالة الميليشيوية التي رفدته واستشرت من بعده اكثر من اي وقت سابق.
لقد جاءت هذه الإنتفاضة بالنتيجة لتطيح محاولة انعاش قسرية لنظام الهيمنة الفئوية السابق، "الماروني السياسي"، انما لتؤسس في الوقت نفسه لانطلاقة مشروع هيمنة فئوية آخر، كان عليه أن يمرّ بعد ذلك بحروب الأزقة في بيروت الغربية، وبحرب المخيمات، وتداعيات الانسحاب الاسرائيلي الاول في منتصف الثمانينيات، وبالتناحر الدموي بين "حركة أمل" و"حزب الله" لصالح الأخير، ثم بالصراع من داخل "الترويكا" الرئاسي، وبتطوير تجربة "حزب الله" العسكرية جنوباً وجعلها تتأقلم مع المسار التفاوضي السوري، وبامتصاص الميليشيات اللحدية عشية التحرير وفي اعقابه، الى ان وصلنا الى اليوم الذي تصارع فيه لبنانياً مشروعان، أحدهما يطرح الثنائية الإسلامية المسيحية الإستقلالية كبديل عن نظام الوصاية السورية، وآخر يطرح نفسه كنظام وصاية من طائفة على بقية الطوائف، من موقع أنه يمثّل "الطائفة اللاطائفية"، أي ذات المصلحة العددية والتعبوية والأيديولوجية في تقويض "النظام الطائفي" اللبناني.
ذكرى انتفاضة 6 شباط هي اذاً ذكرى مرور ثلاثين عاماً على انطلاقة مشروع الهيمنة الفئوية الذي سينجح "حزب الله" سنة بعد أخرى في انتزاع دفّة قيادته، مبقياً على أسطورة 6 شباط الرئيسية أي ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة" التي أريد في وقتها أن تحاكي الثورة الساندينية على ديكتاتورية سوموزا.
قبل ثلاثين عاماً انتفضت الضاحية الجنوبية، وانشق الجيش بعضه على بعض، وتهاوت هيمنة فئوية وانطلق مشروع هيمنة أخرى، وفهمت بيروت "الغربية" باكراً أن ما كان ينتظرها هو حروب ميليشيات تختتم بدخول الجيش السوري اليها. والحال ان مشروع الهيمنة الفئوية "الشيعي" ظل على امتداد العقود الثلاثة ينظر الى نفسه في مرآة كل من "المارونية السياسية" و"الوصاية السورية" في لعبة محاكاة ونقض للأولى، ومحاكاة وتبعية للثانية.
بعد ثلاثين عاماً على تلك الانتفاضة: صار للمشروع طائرات استطلاع، وهو يخوض المعارك العسكرية العاتية في قلب سوريا. مع ذلك، فالضاحية المنتفضة والمحاصرة قبل ثلاثين عاماً ما زالت "محاصرة"، ذاتياً وغير "ذاتي"، اليوم، بالشكل الذي لا يوحي أبداً بأننا أمام مشروع هيمنة على وشك حسم الأمور نهائياً لمصلحته، من دون أن يفسح ذلك المجال في الوقت نفسه لمرحلة ينقض فيها الجميع مشاريع الهيمنة، والإنتفاخات اللامحسوبة، في هذا البلد.