الراعي على طريق صفير، وطريق واشنطن تمر بهوليوود

جان عزيز

01/01/0001

يغادر اليوم البطريرك الراعي صوب «العالم الجديد»، متسلّحاً بموقف ووحدة. الموقف أنجزه بترسيم كامل حدود الوطن بالشركة والمحبة. والوحدة ليس أقلها نداء بكركي الأخير. ولمن تفوته دقائق الأمور، لم تكن مصادفة مشاركة الرؤساء العامين للرهبانيات كافة في اجتماع مجلس الأساقفة، وهو ما لا يحصل إلا نادراً، وخصوصاً فيما كانت ماكينة إعلامية بيروتية مكشوفة تنشط، عبر صحافة خليجية معروفة، لدس إشاعات عن تباينات داخل الجسم الكنسي. وفي السياق نفسه يتوقع أن يكون الوفد البطريركي المغادر اليوم شاملاً للتمثيل الكنسي، أسقفيات ورهبانيات.

لكن الأهم في الحدث البطريركي أميركياً سيظل القفز فوق محطة واشنطن. وذلك بعد أكثر من أسبوعين من التجاذب حولها، بعدما كان موعدها قد تحدد في الثالث من الشهر الجاري. حتى إن سفير لبنان لديها كان قد وزع بطاقات الدعوة إلى حفل استقبال على شرف غبطته مساء الاثنين المقبل، ما يؤشر الى أجواء واشنطنية كانت تتوقع محطة أكيدة في البيت الأبيض، قبل أن يُسمع في الخارجية الأميركية كلامٌ حرفيته أنه بعد نجاد في نيويورك، ووسط عاصفة طلب انضمام فلسطين الى الأمم المتحدة، «لا نريد سماع الموسيقى نفسها من رجل دين مسيحي»، فتغير البرنامج وأسقط الراعي واشنطن برمتها.

ولمن تخونه الذاكرة أيضاً، هي المرة الثانية التي يذهب فيها سيد بكركي الى أميركا ولا يحط في بيتها الأبيض. والفوارق والجوامع بين المرتين بالغة الدلالة.

كانت المرة الأولى قبل عقد كامل، بين شباط وآذار 2001. يومها كانت الترويكا السورية ــــ الشهابي، خدام، كنعان ــــ قد أحكمت سيطرتها بالكامل على بيروت، وخصوصاً بعدما انخرطت في الكونسورسيوم الأميركي ــــ السعودي، ممثلاً برفيق الحريري. وكان جاك شيراك قد أبلغنا أن نظام الوصاية باق عندنا حتى ما بعد السلام الكامل والشامل. والأهم أن اسرائيل كانت قد ارتاحت الى ما حولها. حتى إن أحد رؤساء أجهزتها الأمنية، أوري ساغي، كان قد كتب بحثه الطويل والمعمق تحت عنوان «تذكرة أحادية الاتجاه نحو السلام»، خلاصته أن اسرائيل انتصرت في معركتها الوجودية في المنطقة. أنجزت سلامها مع مصر والأردن، ها هي تذلل العقدة الفلسطينية في الداخل. فلم يعد من عقبة تحول دون تطبيع وجودها في المنطقة إلا سوريا. ورأى ساغي أن أي حل مع سوريا سيفتح المنطقة بالكامل لإسرائيل، المتفوقة باقتصادها وتكنولوجيتها وصناعاتها وقطاعها الخاص... ما يعني تأهلها لزعامة «الشرق الأوسط الجديد»، وفق التسمية البيريزية. ليخلص ساغي الى الجزم بأن أي ثمن للحل مع سوريا يجب أن تكون اسرائيل مستعدة لدفعه، وخصوصاً إذا كان ضم لبنان إليها، لا كأمر واقع، بل أيضاً الضم القانوني والإلحاق «الدولتي» للبنان بسوريا. فهو يعوضها عن الجولان، ويرفع عن اسرائيل عبء لبنان وبؤره... في ظل هذا الجو ذهب البطريرك صفير الى أميركا، بعدما كان هو أيضاً قد أنجز «موقفه» و«وحدته»، بين نداء 20 أيلول سنة2000، وبداية التأليف بين مكونات المعارضة السيادية في بيروت، لكن المفاجأة جاءته من واشنطن: رفض استقباله في البيت الأبيض. ورفض استقباله من مسؤولين أميركيين في مستويات أدنى، لا في مبنى أيزنهاور الملحق بالفريق الرئاسي، ولا في الكابيتول ولا في أي مكان. حتى انتهت المسألة بلقاء يتيم مع موظف برتبة مساعد وزير الخارجية الأميركية.

قبل أيام من وصول البطريرك صفير الى العاصمة الأميركية، كان الدالاي لاما في ضيافتها، وكالعادة فتحت له أبواب البيت الأبيض. ما جعل أحد الناشطين اللبنانيين يسأل عارفاً واشنطنياً عن المفارقة بين الدالاي والبطريرك، فقيل له تندراً: لأن الأول صديق لريتشارد غير، فيما الثاني لا يعرفه أحد في هوليوود! قبل أن يأتي جواب أكثر جدية: أهل التيبيت أداة قابلة للاستثمار، نستخدمهم شوكة في خاصرة الصين، وجزرة أمام الهند. أما أنتم في بلادكم، فلا تصلحون لأي من الدورين.

بعد عقد كامل تبدلت كل التفاصيل، لكن الأساس لا يزال هو هو. إسرائيل اليوم لم تعد في زمن توصيات ساغي. مصر تعيش أيام اقتحام سفارة تل أبيب. الأردن رمال متحركة. فلسطين تقوم من الرماد بالحجر والصاروخ والقانون الدولي. وفي سياق كهذا يصير الهدف إنهاء سوريا لا احتواءها. وكما في أيام الاحتواء كان مفهوماً إعطاء لبنان لها، كذلك في أيام ضرب دمشق يصير مفهوماً استخدام بيروت لإشعالها. وفي الزمنين لا يمكن لواشنطن أن تستقبل من يسمعها «موسيقى» تنشِّز على العزف الإسرائيلي، فكيف إذا كان لرجل دين يخاطب الكاثوليك، في سنة انتخابية أميركية.

هكذا يوم كانت بكركي ضد سياسة سوريا، ضناً بمصلحة سوريا ولبنان، كانت واشنطن ضدها. ويوم صارت بكركي ضد إحراق سوريا كي لا يحترق لبنان، لا تزال واشنطن ضدها. وهكذا يبدو الراعي على طريق سلفه، فيما تبدو واشنطن في طريق إسرائيلي مسدود.

All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT