لبنان يمتنع عن التصويت تجنّباً للضغوط المتبادلة الحكومة على خطى سابقتها في الالتزامات
روزانا بومنصف
01/01/0001
لم يعارض لبنان في مجلس الامن القرار الذي قدمه عدد من الدول الاوروبية ادانة للنظام السوري بل امتنع عن التصويت على غير ما كان سرى على لسان بعض المسؤولين في الاسبوعين الاخيرين عن اتجاه لبنان الى معارضة القرار الذي كان مرتقبا وتم تأجيله في انتظار انتهاء رئاسة لبنان لمجلس الامن في ايلول الماضي من اجل عدم احراجه. وموقف الامتناع استند الى اتصالات ديبلوماسية اجريت مع كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي في ظل انتقاد وجهته اوساط سياسية في الداخل الى العجز اللبناني عن اتخاذ اي موقف في مجلس الامن وعدم قدرته على لعب دور فاعل فيه. هذا الموقف قد يكون موضوعيا الاقل كلفة بالنسبة الى لبنان الرسمي في محاولة واضحة الوقوف في مواجهة المجتمع الدولي الذي يراعي من جهته لبنان وحساسية وضعه على ان لا يكون موقفه تعطيليا او معرقلا وكونه بين مطرقة المجتمع الدولي من جهة وسندان سوريا و"حزب الله" من جهة اخرى فضلا عن الانقسام الداخلي القائم في الموضوع السوري ايضا، فان الامر لافت في المعطى السياسي الداخلي في ظل مفارقة لا يمكن اغفالها. ذلك ان الحكومة ليست حكومة الوحدة الوطنية السابقة والتي قامت قيامة غالبية قوى 8 اذار لدى اتخاذها قرارا بالامتناع عن التصويت في موضوع فرض مجلس الامن عقوبات على ايران وانقسام على نفسها على هذا الصعيد انذاك، بل هي حكومة 8 اذار وحدها ولم تتخذ هذه الحكومة قرارا بمعارضة القرار الاوروبي في مجلس الامن بادانة النظام السوري. ويذكر ان لبنان صوت الى جانب البيان الرئاسي الذي صدر في هذا الاطار قبل بعض الوقت مما سمح لهذا البيان بالصدور على رغم ان لبنان "نأى بنفسه" لاحقا عن هذا البيان، لكن الاساس ان لبنان كان مع الاجماع الدولي.
يثير موقف الحكومة تساؤلات عن دحضها بنفسها شعارات قوى 8 اذار حول دحر النفوذ الاميركي في لبنان بإسقاط الحكومة السابقة التي كانت تضم جميع القوى اي قوى 14 آذار 8 اذار وعن حرص على التزام العلاقات مع المجتمع الدولي، الامر الذي كان مرفوضا في الحكومة السابقة. يضاف الى هذه التساؤلات ما يبقى مما يسمى محور "الممانعة" وإلحاق لبنان به كما اشيع ما دام هذا الاخير لا يعارض على المستوى الرسمي قرارا بادانة النظام السوري على رغم ان معارضته لا تقدم ولا تؤخر في ظل فيتو الدول الدائمة العضوية لكن له قيمته في حال كانت الحاجة الى تسعة اصوات لصدور القرار مع امتناع بعض الاعضاء الدائمين.
يطمئن هذا الامر جهات سياسية عدة باعتبار انه يفيد بجملة امور:
اولها ان الحكومة بالتزامها هذه المواقف انما تعبر عن ادراكها عدم قدرتها على مواجهة المجتمع الدولي. وهو ما تدركه القوى المشاركة فيها خصوصا "حزب الله" الذي لن يرغب على الارجح في ان يكون سببا لعقوبات اقتصادية او مصرفية على لبنان بسبب مواجهة الحكومة هذا المجتمع خصوصا ان الرسائل التي وصلت في هذا الاطار كانت كافية من اجل محاولة الحزب فصل الحكومة عنه من حيث تأكيده انها ليست حكومته كما الفصل بين مواقفه ومواقف الحكومة كما هي الحال بالنسبة الى موضوع المتهمين من المحكمة الدولية. واذ يسود اعتقاد ان رئيس الحكومة لا يستطيع عبر شبكة علاقاته تحمل مواجهة المجتمع الدولي فان المسألة تتعداه الى عدم القدرة على تحميل قوى 8 اذار لبنان تبعة مواجهة مكلفة لن يكون لبنان في ظل حكومة لا تضم سواها قادرا على دفع ثمنها ويمكن ان يؤثر عليها سياسيا وميدانيا. ومع ان لبنان الرسمي يقف الى جانب النظام السوري فإنه لا يستطيع تحمل العزلة التي يواجهها هذا النظام والتي حاول كسرها في الايام القليلة الماضية من خلال بعض الاستقبالات اللبنانية فضلا عن محاولة اسباغ طابع التواصل مع الطائفة السنية. كما لا يستطيع تحمل العقوبات التي تواجهها ايران على نحو يمكن تفسيره بان لبنان لا يستطيع ان يضع نفسه كليا في المحور الذي يدرج نفسه تحت عنوان "الممانعة" ولو انه عمليا يتأثر عبر قواه الاساسية بهذين البلدين.
وثمة من يعتقد ان المسألة وان كانت تتصل بواقع هذه الحكومة وكونها تحت المجهر لاعتبارات معروفة، فانما ذلك يؤكد ان لبنان لا يمكن ان يكون من ضمن هذا المحور كليا على غير ما يتم الادعاء بذلك نتيجة عوامل جيوسياسية لا تسمح له بذلك.
ثانيا ان قرار عدم مواجهة المجتمع الدولي في الموضوع السوري سينسحب حكما على موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان من حيث عدم قدرة الحكومة على وقف تمويل المحكمة. اذ ان نتيجة الرفض لن تقل اهمية وتأثيرا من اتخاذ موقف داعم للنظام السوري في مجلس الامن. وهو الامر الذي ينسحب بالمقدار نفسه على التحذيرات التي وجهت الى لبنان في موضوع الاعتداءات على القوة الدولية في الجنوب وترجيح اتخاذ الدول الاوروبية موقفا حاسما من مشاركتها في حال حصول اعتداءات جديدة.