الشقاق المصري كما كان قبل مئة عام
وسام سعادة
01/01/0001
قبل نحو مئة عام من الإصطدام الطائفيّ الذي حصل مؤخّراً، كان الشقاق الأهليّ والسياسيّ بين المسلمين والمسيحيين في مصر يبلغ نقطة الذروة، على خلفية اغتيال رئيس الوزراء المصريّ بطرس باشا غالي عام 1910 على يد ابراهيم الورداني المنتمي إلى "الحزب الوطنيّ" الذي أسسّه الزعيم الشعبويّ مصطفى كامل (1874-1908).
في أجواء الفتنة المتفجّرة حينها، توجّه أمير الشعراء أحمد شوقي إلى مسيحيي مصر "بني القبط أخوان الدهور رويدكم" وناشدهم "تعالوا عسى نطوي الجفاء وعهده وننبذ أسباب الشقاق نواحيا".
إلا أنّ الشقاق سرعان ما تأطّر في صيغتين تداوليتين متقابلتين: المؤتمر القبطيّ الذي انعقد في آذار 1911، والمؤتمر المصريّ (الإسلاميّ) الذي انعقد بعد ذلك بشهر ردّاً عليه. ويذكّرنا توفيق حبيب في "تذكار المؤتمر المصريّ الأوّل" بأنّ المؤتمر كانت له فكرة مغايرة في الأصل. فالتحضير له سبق اغتيال غالي، وكان القصد منه حسم الخلاف بين سلطة الكنيسة وسلطة المجلس الملّي. فالصراع بين السلطتين شغل الفترة الأكبر من تولّي الأنبا كيرلّس الخامس بابوية الإسكندرية وبطريركية الكرازة المرقسية، ووصل النزاع إلى حد تدخّل الخديوي عباس حلمي والإنكليز لنفي البابا إلى دير البراموس بوادي النطرون لبضعة أشهر ابتداء من أيلول 1892.
أما بعد اغتيال غالي فصار المؤتمر إطاراً لتحقّق الجماعة في جسم سياسيّ موحّد يرفع لواء "المطالب القبطية". وهو ما تحفّظ عليه البابا بشكل مسبق مبدياً قلقه من "المفاوضة على مثل هذه الصورة".
وقد جاءت النتائج والتوصيات الختامية لكلا المؤتمرين القبطي والإسلامي عام 1911 متصادمة مع بعضها البعض على طول الخط. طالب الأقباط باعتماد الأحد يوم راحة، وتمثيل جميع العناصر المصرية في المجالس النيابية، في حين أجمع المؤتمر الإسلامي على رفض طلب العطلة، والإكتفاء للمسيحيين "باجازة تأخرهم في الحضور يوم الأحد"، ورفض "الحقوق السياسية بين الطوائف الدينية" كما رفض المطالبة القبطية بالإنفاق العموميّ على مرافقهم الطائفية. وفي باب الإدارة والوظيفة العامة، تراوح النقاش المؤتمريّ القبطيّ بين دعاة "معيار الكفاءة" ودعاة "الحصّة العددية"، في حين تشّعب النقاش المؤتمريّ الإسلاميّ من دعاة "المحاصصة" أو "الكفاءة" من جهة وبين من يجاري الشيخ التونسي عبد العزيز جاويش في دعوته لاستبعاد الأقباط من الإدارة، بحجّة أنّ ابن الأكثرية وحده قادر على تأمين معيار النزاهة إذ لا سبب لديه للتعصّب لفئته ما دامت تشكّل الأكثرية، في حين أن ابن الأقلية المنكمشة على نفسها، والقائمة على أساس "التعضيد"، لا يستطيع تأمين شرط النزاهة.
من المفيد هنا الإستعانة بالمقابلة بين المؤتمرين التي يجريها طارق البشري في كتابه "المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية" (الصادر عام 1981). علماً أنّ هذا الكتاب، ورغم طابعه الشامل والمتماسك، يظلّ حبيسَ نظرة أيديولوجيّة، مذهبيّة وأكثرويّة، تجعل للأكثرية دوراً أبويّاً قوّاماً على الأقليّة، وتقسّم الأقليّة عند كل منعطف إلى قسمين: "أهل الشقاق"، و"أهل الرويّة". لكن ذلك لا يلغي الفائدة من هذا الكتاب، على عكس كتاب طارق البشري الأخير "الدولة والكنيسة" (الصادر مطلع هذا العام عن دار الشروق) والذي يسيء إلى منطق تناول المسألة القبطية من خلال جعلها "مسألة مدى خضوع الكنيسة المصرية بوصفها إحدى هيئات المجتمع المصري لسلطة الدولة المصرية المعبرة عن الجماعة الوطنية المصرية" (ص 16)، وكان سبق للبشري قبل ست سنوات أن أصدر كتاباً حول "العزلة والإندماج" اعتبر فيه أنّ "الدولة حرّمت على المسلم السياسة رغم أن عقيدته تجمع بين الدين والسياسة، وأباحت للكنيسة العمل السياسيّ رغم أن عقيدتها تفصل بين السلطة والسياسة" محاولاً بذلك نفي الوقائع والنصوص الأساسية للإضطهاد والإستبعاد، بل قلب الحقائق رأساً على عقب.
مع ذلك فإنّّ أهميّة كتابه الأوّل في هذا الشأن "المسلمون والأقباط" أنّه يظهر لنا كيف أدى عدم إتفاق المسلمين والأقباط على أي شيء عام 1911 إلى نتيجة إيجابية تاريخياً، أي إلى نوع من "نفي النفي"، ذلك أن الإنشطار المؤطّر في مؤتمرين متقابلين ساهم في وضع المسائل الأساسية التي تستلزم إعمالاً للعقل وإحراجاً له على جدول الأعمال، ما أدّى في خاتمة المطاف إلى مستوى حقيقيّ من التضامن الإسلاميّ المسيحيّ في إطار ثورة 1919 ونشأة حزب الوفد كحزب جماهيريّ لدى المسلمين والأقباط في الوقت نفسه، فإذا كان التماسك العضويّ بين أعضاء الطائفة القبطية هو ما يتخوّف المسلمون منه، فإنّ هذا التماسك كان قوّة أساسية في تمكين ثورة 1919، حتى إذا عيّن المحتل رئيس وزراء قبطيّاً في 21 تشرين الثاني 1919 هو يوسف باشا وهبة أجمعت طائفته على استنكار تولّيه لـ"المنصب الشائن"، وخرج فتى من بين القبط يحاول اغتياله في مقهى ريش.
لكن هل يمكن مقارنة هذا التطوّر بحال مصر اليوم؟ نعم ولا. فشعار "الهلال مع الصليب" كان مركزياً عام 1919 ونوستالجياً هذا العام، والمخاض سيتخذ شكلاً مختلفاً وأكثر تعقيداً لا شكّ في ذلك، والتفسيرات "الغريزية" كما "التآمرية" لما يحصل معدّة للإستهلاك السريع، في حين أنّ السؤال الأساسيّ يبقى: هل من قوّة في المجتمع المصريّ قادرة على لعب الدور الوطنيّ الجماهيريّ إسلامياً وقبطياً الذي أمّنه حزب الوفد بعد ثورة 1919؟ الجواب الفوريّ: ليسَ بعد.