هل سينسحب الاميركيون فعلاً من بلاد الرافدين؟
01/01/0001
على مسافة شهرين من موعد انسحاب القوات الاميركية من العراق نهاية السنة الجارية، تُطرح أسئلة كثيرة محلياً وعربياً ودولياً حول مدى جدية قرار إدارة الرئيس باراك أُوباما بتنفيذ هذا الانسحاب، وهل أنه سيكون انسحاباً من العراق وحده؟ أم سيكون مقدمة لانسحاب شامل من المنطقة كلها تتصرف الولايات المتحدة الاميركية بعده وفق مقولة "ومن بعدي الطوفان"؟ خصوصا وأن هناك أنطباعا بدأ يتكون في لبنان والمنطقة مفاده أن مرحلة جديدة ستبدأ بعد هذا الانسحاب الاميركي على مستوى الوضع في منطقة الخليج العربي والعلاقات بين دوله، لا يمكن التكهن منذ الآن بما يمكن ان تكون عليه طبيعتها.
واذ تتزاحم هذه الاسئلة في المنطقة ولدى كل الدول والدوائر المعنية والمتابعة لكل ما يشهده العالم العربي من ثورات ومتغيرات، فإن كثيرين من العراقيين، على المستويين السياسي والشعبي، يشككون في إمكانية تنفيذ الرئيس الاميركي تعهده الأخير بسحب قواته من العراق في نهاية السنة، ويؤكدون أن الادارة الاميركية ما زالت تناور من أجل إبقاء قسم كبير من قواتها العسكرية على الأراضي العراقية بصيغ مختلفة.
ولقد طالب الاميركيون في البداية بإبقاء ثلاثين ألف جندي، حسبما قال الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في مقابلته التلفزيونية الاخيرة، ثم خفّضوا هذا العدد الى عشرين الفٍ، ثم الى عشرة آلاف، لكن الكتل النيابية العراقية بمعظمها مُجمعةٌ على عدم إبقاء أي جندي أميركي، وحتى إذا بقي بعضهم على شكل حرس للسفارة الاميركية في بغداد، وهي في المناسبة أكبر سفارة أميركية في العالم، أو لحراسة القنصليات الاميركية الخمس الموزعة في كل نواحي العراق، أو على شكل عناصر في الشركات الأمنية، فلن تكون لهم حصانة، كما هي حال كل جندي أميركي خارج بلاده، وهذا ما يطرح إشكالية قانونية داخل الولايات المتحدة الاميركية نفسها، حيث أن القوانين لا تُجيز للإدارة الاميركية إرسال أي جندي الى خارج البلاد من دون توفير الحصانة له. الامر الذي يفسّر عدم توقيع "البيت الابيض" اتفاقية روما التي أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية بموجبها. ولذا فإن الإدارة الاميركية ما زالت مرتبكة ومضطربة في طريقة تعاطيها مع ملف إنسحاب قواتها من العراق، في ظل عجزها عن إبقاء جنود لها في بلاد الرافدين.
وعلى رغم من ان الحكومة الاميركية تدرك ان رفض بقاء أي جندي اميركي على الارض العراقية هو مطلب غالبية العراقيين، إلاّ أنّها تحاول أن تصوّر أن موقف الكتل النيابية العراقية ناجمٌ من ضغط إيراني عليها، فيما هي تدرك أن شراسة المقاومة العراقية في كل مناطق العراق، هي التي كانت وراء خسارتها مشروعها في العراق، وأن هذه المقاومة، ومعها المقاومة الافغانية، قد تسببت بتسريع إنكشاف الأزمة المالية والاقتصادية الاميركية الكبرى نتيجة تفاقم النفقات العسكرية وما نجم من ذلك من عجز مالي وصل الى ألف مليار دولار.
ويرى مطلعون على الشأن العراقي أن الإدارة الاميركية قد تلجأ الى أكثر من وسيلة للإبقاء على قسم من جنودها في العراق، بعضها قد يعتمد المراهنة على بقاء المدن والاحياء العراقية عرضة لتفجيرات دموية يومية ليرتفع معها صوت العراقيين بضرورة إبقاء القوات الاميركية لمساعدتهم على تجاوز التوتر الامني. اما الاساليب الأُخرى التي قد تلجأ اليها الادارة الاميركية فهي الاستفادة من الخلافات العراقية ـ العراقية التي تعمّق الشرخ بين المكونات المختلفة للمجتمع العراقي والإيحاء بأن البلاد قد تشهد حرباً اهلية ضارية تستدعي بقاء القوات الاميركية. وقد كان لافتاً في هذا المجال تحذير رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني في حديث متلفزمن نشوب حرب أهلية بعد انسحاب القوات الأمركية من العراق، وقائلا "إن انسحاب الأميركيين يفسح المجال لحرب أهلية مفتوحة".
مضيفاً "أن الأكراد سيلعبون دوراً للحيلولة دون وقوع هذه الحرب، التي استبعد أن يكون الأكراد طرفاً فيها، في اعتبار أنهم ليسوا طرفاً في الصراع المذهبي ولن يكونوا كذلك".
ومن الوسائل التي قد تعتمدها واشنطن أيضا لابقاء قواتها في العراق إمكان استخدام كل وسائل الضغط على ايران وسوريا من اجل التوصل معهما الى تسوية تبقي لها الآلاف من جنودها في بلاد الرافدين، ذلك انها، أي الادارة الاميركية، باتت تدرك منذ سنوات ان بقاءها في العراق لا يمكن ان يستمر، ولكنها في الوقت نفسه تريد ان تحفظ ماء وجهها لدى الانسحاب منه، فهي تريد أن توحي أنها لم تخسر المعركة تماماً، وان بقاء قواتها، ولو بعدد قليل، يشكّل ضماناً لمصالحها المعروفة في البلاد العراقية.
ولذا فإنها تستحضر في هذا المضمار تجربة القوات البريطانية التاريخية في العراق بعد الحربين العالميتين الولى والثانية التي أبقت قواتها في قواعد عسكرية عدة أبرزها قاعدة "الحبّانية" الجوية حتى العام 1958 يوم تفجّرت ثورة 14 تموز التي أطاحت الحكم الملكي وحكومة نوري السعيد ومعها "حلف بغداد" الذي كان البريطانيون مهندسوه. فالولايات المتحدة الاميركية تريد ان تنسحب على غرار الاستعمار القديم بتثاقله و"أرستقراطيته"، ولا تريد لمشهد انسحابها من فيتنام ان يتكرر، حيث يتذكر العالم كله مشهد ذلك الجندي الاميركي الراكض وراء آخر طائرة مروحية اميركية تغادر سطح السفارة الاميركية في سايغون.
كما أن الادارة الاميركية "التي باتت تعتمد على مظاهر القوة أكثر من القوة نفسها"، تريد ان تُبقي قواتها في العراق وفي مياه الخليج ودوله لكي تبقي الانظمة النفطية تحت رحمتها، فتبتز ما تحتاجه من أموال، وتنفذ ما تريده من سياسات نفطية، وتستخدمها سياسياً وامنياً في هذا البلد العربي أو الاسلامي أو ذاك.ولكن بغض للنظر عن النتائج فإن واشنطن لا تستطيع ان تنكر ان مشروعها الامبراطوري قد هُزمَ في العراق، وأن هزيمته ستنعكس على مستقبل هذا المشروع في كل دول المنطقة.
بعض المؤرخين يشبّهون هزيمة الاميركيين في العراق بهزيمة دول العدوان الثلاثي الذي حصل في مثل هذه الأيام عام 1956 على مصر، فكما كان ذلك العدوان إيذانا بأفول عصر الامبراطوريتين الفرنسية والبريطانية في المنطقة، فإن الهزيمة في بغداد تؤذن بهزيمة الامبراطورية الاميركية في المنطقة والعالم.