من يفرج عن الحسابات والأرقام؟

ابراهيم كنعان

01/01/0001

انتظر اللبنانيون من رئيس كتلة المستقبل النائب فؤاد السنيورة، التوجّه الى المجلس النيابي ليقدّم ما لديه من معطيات ومعلومات ووثائق حول الخلل المالي الذي وضعت لجنة المال والموازنة اليد عليه، فإذا به مرة جديدة، يختار طريق الإعلام وسيلة، لمحاولة الهروب الى الأمام، وعدم الإنصياع لما تفترضه الرقابة البرلمانية، متناولا أربعة مواضيع أساسية: خزنة وزارة المالية، تصفير الحسابات في مطلع عام 1993، المستندات اللازمة لإعداد الحسابات، قضية الـ 11 مليار دولار أميركي كتجاوز في الإنفاق خلال السنوات 2006 2009. وبعدما عرضنا في الجزء الأول المنشور في عدد «السفير»، أمس لموضوع خزنة وزارة المالية، نعرض اليوم للعناوين الثلاثة التالية:
أولاً: موضوع تصفير الحسابات في الأول من كانون الثاني 1993:
- هل يمكن أن يشمل التصفير حسابي الصندوق والمصرف وفقاً للأصول المحاسبية التي يدّعي السنيورة حصر العلم بها فيه؟
- ألا توجب الأصول المحاسبية السليمة عد موجودات الصندوق النقدية وتسجيلها كقيد افتتاحي كما جرى عد موجودات الخزنة الحديدية في الطابق السفلي من مبنى الوزارة؟ ولمصلحة من تم تصفير حساب الصندوق؟
- ألم يسجل النقص في الصندوق الناتج عن عملية التصفير كأموال مختلسة في مرحلة لاحقة كما ورد في قرار ديوان المحاسبة القضائي رقم 9 / رق الصادر بتاريخ 21/6/2004 ؟ وماذا فعل السنيورة بالمختلس لاستعادة الأموال المختلسة؟ وما هي مسؤولية أمين صندوق الخزينة المركزي آنذاك السيد درويش الحصري الذي ظهر بعد ثمانية عشر عاماً في مكتب السيد فؤاد السنيورة وبعد بضع ساعات على المؤتمر الصحافي الذي عقدته؟
- ألا توجب الأصول المحاسبية السليمة طلب كشف بحساب الخزينة لدى مصرف لبنان الموقوف بتاريخ 31 كانون الأول 1992 وتدوين رصيده كقيد افتتاحي في الأول من كانون الثاني 1993؟ ولمصلحة من تم تصفير حساب الخزينة لدى مصرف لبنان؟
ان تصفير الحسابات يصبح مستغرباً إذا علمنا أن حسابات 27 محتسباً من أصل 30 محتسباً في لبنان قد أعدت عن العامين 1991 و 1992 وأرسلت إلى ديوان المحاسبة. ما يعني بأنه كان بالإمكان إعداد حسابات الثلاثة الآخرين أو معاقبتهم أو تغييرهم على الأقل بدلاً من تصفير الحسابات.
فقد ورد في كتاب رئيس مصلحة المحاسبة العامة بالتكليف بكتابه رقم 391/ ص16 الموجه إلى ديوان المحاسبة بتاريخ 11 آذار 1998 ما يلي:
«1- إن حسابات مهمة المحتسبين المحليين والمركزيين مع حسابات المهمة العائدة للسنوات 1993 و1994 و1995 قد دققت وأنجزت وأرسلت إلى جانبكم بكاملها،
2- أما حسابات مهمة المحتسبين المحليين والمركزيين للأعوام 1991 و1992 فقد أرسل إلينا معظمها بعد مطالبتنا المستمرة بها وقمنا بتدقيقها وإرسالها وفقاً للائحة المرفقة،
أما الحسابات التي لم ترسل إلينا فهي حساب مهمة محتسب المالية المركزي ومحتسب البريد المركزي والمحتسب المركزي للمواصلات السلكية واللاسلكية لعامي 1991 و 1992 مما يعيق عملية إنجاز الحسابات الختامية للسنتين المذكورتين».
ويصبح تصفير حسابي الصندوق والمصرف مدعاة للشك والريبة إذا علمنا بأن عملية التصفير في الأول من كانون الثاني 1993 لم تشمل جميع قيود ميزان الدخول، بدليل ما ورد في حساب مهمة محتسب المالية المركزي لعام 1993 على سبيل المثال:
- حساب صندوق المحتسبين المحليين لدى المحتسب المركزي:
3,946,892,303,26 ليرة لبنانية/مدين
- حسابات للتسوية:
1,040,412,009,42 ليرة لبنانية/مدين
3,210,661,712,61 ليرة لبنانية/دائن
- حساب عمليات للتسوية أو للتحويل أو للحفظ:
86,185,373 ليرة لبنانية/مدين
6,035,209,449 ليرة لبنانية/ دائن
- بماذا يبرر تصفير بعض الحسابات دون البعض الآخر، ولا سيما حسابي الصندوق والمصرف؟ وما هي الإجراءات اللاحقة التي طالت أرصدة الحسابات التي جرى تصفيرها، لا سيما ما يتعلق بالأمانات منها؟
- إن تصفير الحسابات، بكونه عملية غير قانونية ولا تتفق مع الأصول المحاسبية السليمة، قد أدى إلى النتائج التالية:
أ ـ عدم وجود محاسبة وحسابات سليمة لمدة 18 سنة.
ب ـ جعل المال العام سائباً مما أدى إلى الهدر وتراكم الدين العام والعبث بالحسابات والفساد المستشري، لأنه من دون حسابات لا مجال للمراقبة ولا للمحاسبة. والمال السائب يعلم الناس الحرام.
ج - ضياع المسؤوليات بتغير الموظفين المسؤولين عن مسك المحاسبة وإعداد الحسابات.
د - عدم مطالبة الدولة بما لها من حقوق على الغير. فهناك أكثر من خمسة آلاف مليار من سلفات الخزينة مجهولة المصير.
هـ - امتناع الدولة عن دفع حقوق الغير كأموال البلديات المتراكمة في الصندوق البلدي المستقل من عام 1980 ولغاية آخر عام 1992.
والمسؤول عن كل ذلك هو من أمر بتصفير الحسابات وحال دون تصحيحها وحمى الموظفين الذين شاركوا في العبث بها وما زال يدّعي احتكار العلم والمعرفة بشؤونها ويتهم من يطالب بإنجازها بالجهل والكيدية ويطالبه بالاعتذار.
ثانياً: موضوع فقدان المستندات:
1- على مدى أكثر من سنة، ادّعى نواب تيار المستقبل أن المستندات كانت في مبنى وزارة المالية على كورنيش النهر فاحترقت من جراء الحريق الذي لحق بهذا المبنى خلال الحرب ما بين الجيش اللبناني والقوات اللبنانية عام 1990، وقد كرر السنيورة هذا الادّعاء أيضاً.
2- ربما كان نواب «تيار المستقبل» معذورين لأنهم يدلون بما يزودهم به رئيس كتلتهم، ولأنهم لم يعملوا يوماً في وزارة المالية ليطلعوا على مكنوناتها. أما السنيورة فلا عذر له عندما يكرر ما أدلى به نوابه، وهو العالم بكل شاردة وواردة في وزارة المالية منذ تولى إدارتها، وحتى بعد تولي سواه لمقاليدها، لأن من يدينون له بالولاء حاضرون في كل ركن من أركان الوزارة.
3- ألم يبلغ السنيورة، بوصفه وزيراً للمالية بالوكالة، ديوان المحاسبة بأن بعض المستندات قد فقد أثناء نقلها من مبنى حطب قرب البريســتول إلى المبنى المركزي للوزارة في رياض الصلح؟
ولمن لم يقتنع بعد نثبت في ما يلي بعض ما جاء في قرار ديوان المحاسبة القضائي رقم 1/ر.ق الصادر بتاريخ 21 آب 1997:
«وإنه بتاريخ 13/11/1996 ورد الديوان كتاب السيد وزير المالية بالوكالة رقم 1141/ص تاريخ 5/11/1996 جواباً على مذكرة الديوان رقم 151/م تاريخ 12/9/1996. وقد جاء في الكتاب المذكور ما يلي:
«جواباً على مذكرتكم المشار إليها في المرجع أعلاه والمتعلقة بتحديد مهل لتقديم حساب مهمة المحتسب المركزي عن كل من العامين 1991 و1992، وعطفاً على الرد الجوابي الذي أودعكم إياه محتسب المالية المركزي على هذه المذكرة، فإننا نود أن نفيدكم بما يلي:
- إن وزارة المالية تحرص كل الحرص على تقديم حساب المهمة عن كل من العامين المذكورين. وقد بادرت إلى المباشرة في إعداد هذا الحساب، غير أن النقص في بعض المستندات وأوراق الثبوت، من جراء نقل محفوظات ومستندات الوزارة من مبنى حطب إلى المبنى المركزي، حال دون استكمال المهمة».
اذن كانت المستندات في مبنى حطب الذي كانت وزارة المالية تشغله قرب البريستول لا في مبنى الوزارة على كورنيــش النهر.
4- وقد سبق أن أشرت إلى كتاب رئيس مصلحة المحاسبة العامة الموجه إلى ديوان المحاسبة والمتعلق بإرسال 27 محتسباً محلياً ومركزياً حساباتهم عن العامين 1991 و 1992، في حين أن ثلاثة محتسبين مركزيين فقط لم يرسلوا حساباتهم، الأمر الذي يعني بأن من أعدوا حساباتهم وأرسلوها لديهم مستنداتهم الثبوتية العائدة لتلك الحسابات.
ثالثاً: التجاوز في الإنفاق العام خلال الأعوام من 2006 لغاية 2009 ضمناً:
1- لقد وقع الرئيس السنيورة في مغالطات عدة:
أولها، أن مشروع قانون موازنة عام 2005 قد أقر بتاريخ 3 آذار 2006، أي بعد انقضاء السنة المالية 2005. وكان من المفترض أن يكون مشروع قانون موازنة عام 2006 هو الذي يقر حتى قبل هذا التاريخ. فلِم لم يرسل دولته هذا المشروع ضمن المهلة الدستورية التي تنتهي بتاريخ أول ثلاثاء يلي الخامس عشر من شهر تشرين الأول 2005؟ وهل كان مجلس النواب مقفلاً آنذاك كما يدّعي؟
ثانيها، أن مشروع قانون موازنة عام 2007 كان من المفترض أن يرسل إلى مجلس النواب قبل أول ثلاثاء يلي الخامس عشر من تشرين الأول 2006. فلِم لم يرسل ضمن المهلة الدستورية؟ وهل كان مجلس النواب مقفلاً آنذاك؟
ثالثها، أن بعض التجاوز في الإنفاق ناتج عن قوانين رتبت زيادات في الرواتب وسواها. فللعلم لم يصدر سوى قانون واحد هو القانون رقم 63 بتاريخ 31 كانون الأول 2008 الذي رتب زيادة في الرواتب وأقر جدولة حقوق مترتبة للموظفين من أكثر من عشر سنوات من جراء فروقات سلسلة الرتب والرواتب. وقد أقرت تغطية نفقات هذا القانون بفتح اعتماد إضافي بموجب أحد أحكامه؟
رابعها، قوله إن المساهمة لمؤسسة كهرباء لبنان قد رتبت زيادة كبيرة في الإنفاق. فمن أذن للسيد السنيورة لتحويل ما يقدم إلى مؤسسة كهرباء لبنان من سلفة خزينة، تسجل كموجبات يترتب على المؤسسة تسديدها، إلى مساهمة مجانية؟
خامسها، إن الرئيس السنيورة باتخاذه قرارات في مجلس الوزراء بالإنفاق على أساس مشاريع موازنات، يكون قد خالف أحكام المادة 83 من الدستور وأحكام المادة الثالثة من قانون المحاسبة العمومية.
2- ليس من قبيل الدفاع عن الحكومة الحالية، إلا أن أوجه المقارنة بين من ينفق على أساس مشاريع الموازنات ومن يتقدم بمشروع قانون لفتح اعتمادات استثنائية سنداً لأحكام المادة 12 من قانون المحاسبة العمومية التي «تجيز، في حالات طارئة واستثنائية، فتح اعتماد ما في الموازنة قبل تصديقها شرط أن يدون فيها»، مختلفة جداً، فالأول، يخالف أحكام الدستور والقانون، والثاني، يلتزم بأحكام الدستور والقانون، وشتانَ ما بين مخالف وملتزم، ومن الظلم وضعهما معاً في مجال المقارنة.
3- يتذرع السنيورة بعدم وجود موازنات خلال الأعوام من 2006 ولغاية 2010 ولذلك يتعذر إعداد قطع حساب عن كل من هذه السنوات. إلا أن سحره سرعان ما ينقلب عليه لأنه امتنع عن إعداد قطع حساب موازنتي السنتين 1991 و 1992 اللتين أقرتا:
- الأولى بموجب القانون رقم 89 الصادر بتاريخ 7 أيلول 1991،
- الثانية بموجب القانون رقم 172 الصادر بتاريخ 2 كانون الأول 1992.
واستمر يجهد حتى عام 2006 تاريخ إعفاء وزارة المالية من موجب إعدادهما، بتمرير نص في مشروع قانون موازنة عام 2005.
4- يدّعي السنيورة أن قطع حساب الموازنة منذ عام 1993 ولغاية عام 2003 ضمناً قد أقر من قبل المجلس النيابي، وبالتالي فهو بريء الذمة عن هذه الفترة.
لقد نسي السنيورة، أو هو يتناسى، بأن جميع هذه الحسابات قد أقرت مع التحفظ، لأن جميع الحسابات منذ عام 1993 وحتى اليوم غير صحيحة وغير سليمة، وبأن براءة الذمة لا تعطى إلا بعد إنجاز الحسابات وتدقيقها وبيان كل ما اكتنفها من أخطاء وتلاعب وعبث ممن سلمهم مهمة مسك قيودها وحماهم من المساءلة والمحاسبة، وبالتالي بعد صدور هذه البراءة عن المجلس النيابي، السلطة الوحيدة التي يعود إليها أمر إبراء ذمة الحكومة ووزراء المالية.
وبالطبع لن ينال رئيس كتلة المستقبل هذه البراءة بالظهور الإعلامي هو ونوابه وبادّعاء العلم وتجهيل الآخرين.
فمن كان بريئاً حقاً كما يدّعي فاجتماعات لجنة المال والموازنة جاهزة لتلقي الحسابات المالية النهائية والفصل بصحتها. وما عليه سوى الإيعاز للذين ما يزالون يدينون له بالولاء في وزارة المالية للإفراج عن هذه الحسابات.
إلا أنني لا أستطيع إلا أن أذكّر بما تحتوي عليه محاضر لجنة المال والموازنة من حقائق واعترافات عن واقع الحسابات المالية النهائية الممسوكة من قبل وزارة المالية، ولا سيما إفادة مدير المالية العام الشهيرة. ولذلك سأطلب من الرئيس نبيه بري إعطاء الإذن بنشر بعض ما ورد في هذه المحاضر لكي يكون الرأي العام اللبناني على بينة من حقيقة من أوصله إلى الوضع الحالي حيث الدين العام تجاوز الستين مليار دولار.
دولة الرئيس،
هل عن جهل منك أم تجاهل تتهم الناس بالجهل وتدّعي العلم بحقائق علم المحاسبة وأصول المالية العامة والتشريع المالي؟
في الواقع، يكفي الإنسان حس بالمسؤولية واستشعار بالمواطنية الصادقة لكي يكتشف السليم من المزيف في حسابات المالية العامة. فكيف الحال إذا كانت لديه ثقافة حقوقية وخبرة في قانون الجزاء. ألا تسهّل عليه ثقافته وخبرته التمييز بين الخطأ والصواب؟

 

All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT