السيّدة الأولى زلفا شمعون: لها طابع وذكرى خالدة
3/9/2017 6:47:40 AM
نالت التعيينات الأمنيّة والقضائيّة الاهتمام الأكبر بين مقرّرات مجلس الوزراء، في جلسته التي عقدت أمس الأربعاء، ولعلّه فات كثيرون قرار إصدار طابع بريدي باسم زلفا شمعون، هذه المرّة التي تبقى الأكثر تميّزات بين السيّدات اللواتي حملن لقب "الأولى".
جاءت خطوة مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الاتصالات جمال الجراح، بعد مسعى قام به حزب الوطنيّين الأحرار، قيادةً ومنظمة طلاب. وتجدر الإشارة الى أنّ هذا الطابع سيكون الأول الذي يخصّص لعقيلة رئيس جمهوريّة، لتشَكّل هذه الشخصيّة استثناءً على أكثر من صعيد.
إنها زلفا شمعون، السّيدة الأولى قبل دخولها القصر الرئاسي، وبعد خروجها منه. هي التي وقّعت بحضورها وعملها "سجلّ" الجمال اللبناني، فازدهرت الفنون التشكيلية والمسرحية، وفتحت أبواب بعلبك للمهرجانات... وأعطت بيدها اليمنى خيرًا، حرصت ألا تعرف به يدها اليسرى.
في 30 كانون الأول من العام 1930 تزوجت زلفا من كميل شمعون، وقد عاشت معه وشاركته الأخطار والمتاعب من دون خوف أو وهن، وما تخلّت يوماً عن تواضع الكبار.
بعد تسلّم زوجها سفارة لبنان في لندن عام 1945 "كانت تصنع الشاي بيدها، وتحمله عند الساعة الخامسة من بعد ظهر كل يوم إلى موظّفي السفارة. ولفرط عشقها للأطفال، وشدّة اندفاعها إلى مساعدة الغير، كانت تصرّ على رعاية أولاد الموظّفين بالمناوبة، خلال ذهابهم إلى حفلة، أو مسرحيّة. كانت تحضنهم بعناية ريثما يعود أهلهم... ولم تبدّل عادتها هذه، حتى يوم أصبحت رئيسة".
كانت زلفا شمعون، في عهد زوجها، وراء كل حركة فنيّة، وكان لها الفضل الكبير في توعية الجمهور على حضور المعارض، والاستماع إلى الموسيقى، وإعداد مهرجانات بعلبك... وغيرها من الحركات الفنية.
وكانت تُقدَّم باسمها جائزة ثانية بعد جائزة الرئيس شمعون من وزارة التربية للفنانين المميّزين في معرضهم السنوي في الأونسكو.
لم يتوقف اهتمام السيدة زلفا عند حدّ، فكانت والرئيس من منشّطي الحركة الفنية في راشانا، ومن أوّل المتبرعين لإنشاء مسرح فيها، قُدمت عليه أعمال لبنانية وفرنسية وايطالية.
سعت إلى اطلاق مهرجانات بعلبك، متضمّنة إلى جانب إحياء التراث اللبناني، برنامجًا للفنون العالميّة. وحوّلت الطابق العلوي من قصر القنطاري (الرئاسي) إلى مشغل للخياطة، فأعدّت كلّ الملابس الفولكلوريّة في بيتها، وكانت تخيط معظمها بيديها، وهي طالما اهتمت بإعداد ملابسها بنفسها.
وفي هذا الاطار، تستذكر إحدى صديقاتها أناقتها، وحين كانت تقول إحداهن لها: "ما أجمل تايورك". فتجيبها: "كان طقمًا عتيقًا لكميل فحوّلته تايورًا لي".
حبّ زلفا شمعون للفنون والجمال، زاد من حبّها لكل طبقات المجتمع.
بحيث لم تفرّق يومًا في تعامل بين مسؤول كبير ومواطن متواضع، لا بل التفتت إلى من حرمتهم الحياة بعض نِعَمها، وحاولت التعويض عليهم.
أسست "الجمعية اللبنانية لإغاثة الضرير"، وفي أوّل سَفرةٍ لها برفقة الرئيس شمعون لأميركا اللاتينية، ومع أولى هدايا المغتربين لها، قالت لهم: "أشكركم، ولكن أرجو أن تتكرموا وتحوّلوا الهدايا الى مساعدات لجمعية المكفوفين في لبنان"...
وكانت رفضت بعناد أن تحمل مدرسة إغاثة الضرير في بعبدا اسمها. ويوم الاحتفال بوضع الحجر الأساس في التاسع من تشرين الأول 1958، قالت: "لا أريد أن يتأثر هذا المشروع بخلافة الرؤساء وخلافاتهم".
بعد انتهاء ولاية الرئيس كميل شمعون، استمرّت السيدة زلفا في دعم الجمعية، وجمع الأموال لتطويرها إلى أن اقترب المرض منها، وبدأت تتغير ملامح وجهها، من دون أن تؤثر على ابتسامتها التي ظلّت مشرقة، وظلّت هي متمسّكة بإيمانها وصبرها وتواضعها وأناقتها، وحين كان يتصل بها أحدهم للاستفسار تردّ قائلة: "كتر خير الله، ولكن قلبي يعتصر عندما أرى في المستشفى شبانًا وصبايا مهدّدين. أنا عشت، وهم لم يروا شيئًا بعد".
لعلّ إصدار الطابع البريدي، باسم زلفا شمعون، يشكّل مناسبة لاستذكار مسيرة سيّدة طبعت مرحلة من تاريخ لبنان بصورتها الجميلة. مرحلة لن نستعيدها، بالتأكيد. فلنتذكّرها بالطابع البريدي...