ماذا يجري أمنيّاً في المطار؟ الحقيقة كما هي...
رياض طوق
10/8/2018 6:36:35 AM
سنة 1977، خلال حرب السنتين في لبنان، قام الرئيس الراحل الياس سركيس بانشاء جهاز خاص لأمن المطار يكون منفصلاً عن الاجهزة التي تتولى تقليدياً أمن المطارات في العالم، وهي الامن العام للتدقيق في الجوازات، الجمارك لضبط تهريب البضائع، قوى الامن الداخلي لتفتيش المسافرين وحفظ الامن داخل المطار والجيش اللبناني الذي يتولى حماية المطار في الخارج من أي اعتداء.
انشاء هذا الجهاز يومها كان بناء لطلب مدير المخابرات في الجيش العقيد جوني عبدو الذي أراد ادخال مخابراته الى المطار لضبط عناصر منظمة التحرير الفلسطينية الذين كانوا يستعملون المطار لتهريب السلاح والاموال والاشخاص، اذ ان حركة فتح كانت تمكّنت من اختراق الاجهزة العاملة في المطار والعقيد عبدو ما كان ليثق الّا في مخابراته.
يومها كانت هذه التركيبة الامنية تأتي في ظروف استثنائية يمرّ بها البلاد، لذا لم يكن هناك تنظيم واضح للعلاقة بين الأجهزة التي تتولى امن المطار. انتهت الحرب وبقي الجهاز يعمل بصورة طبيعية وكانت الخلافات تتجدّد في كل مرة يحصل تنازع على الصلاحيات. يومها كان العميد "سليمان" من المخابرات السورية العاملة في بيروت يرعى الخلافات بين الضبّاط. أما بعد سنة 2005 فكان في كل مرة يشهد المطار اشكالات متفرقة بين المسؤولين الامنيين يتطوّر ويظهر الى العلن ويصار الى حلّه على الطريقة العشائرية وتقبيل اللحى وكأنه اشكل بين "آل الجيش" و"آل الدّرك".
اليوم وبعد مرور أكثر من أسبوع على الحادث الذي أدّى الى تعطيل مطار رفيق الحريري الدولي وتعطيل حركة المسافرين وعرقلة تسيير هذا المرفق العام الاساسي والمطار الوحيد في لبنان، تبقى الحالة على ما هي عليه في المطار. الاشكال الاخير أدى الى قرع جرس الانذار جديّاً هذه المرّة ولم يعد باستطاعة أركان الدولة لفلفته أمام الرأي العام. وحتّى هذه اللحظة لم تتمّ محاسبة المسؤولين الامنيين في المطار أو بالحدّ الادنى اقالتهم من مناصبهم. وكل ما في الامر ان قيادتهما الامنية ترفض محاسبتهما لأسباب قد يكون تشخيصها سياسيّاً وطائفيّاً اذا ما دخلنا في التفاصيل.
فالعميد جورج ضومط، قائد جهاز أمن المطار، ضابط في الجيش اللبناني تمّ فصله لقيادة هذا الجهاز وقد عرفت عنه العلاقة السيئة التي تربطه بقائد سرية قوى الامن الداخلي في المطار العقيد بلال الحجّار. واذا كان الاتفاق والتنسيق بين المسؤولين الامنيين هو القاعدة فان الاستثناء قد يقع في التنازع على الصلاحيات والتنافس على تأدية الواجب وهو ما نجده في أكثر الدول المتقدمة. ففي فرنسا لطالما كان هناك تنافس على الصلاحيات بين الدرك والشرطة، وفي الولايات المتحدة لطالما قرأنا وسمعنا عن تنازع على الصلاحيات بين الشرطة المحلية للولايات وبين مكتب التحقيقات الفدرالي، أو بين المكتب الفدرالي ووكالة الاستخبارات الاميركية لدى التحقيق في ملفّ يعنى بالامن القومي. لكن أن تصل الامور الى ان يقوم جهاز أمنيّ بمصادرة موقع لجهاز آخر، أو اخلاء الجهاز الآخر لموقعه وسحب عناصره بسبب الخلافات وتعطيل شؤون الناس وايقاف المرفق العام، فهذا ما لم ولن يحصل في اي دولة من العالم المتحضّر.
أصل الخلاف وقع من جهة بين عناصر من مفرزة استقصاء جهاز امن المطار (عناصر هذه المفرزة هم من مخابرات الجيش يرأسهم العقيد علي نور الدين الذي تربطه علاقة قربى وثيقة بالرئيس نبيه بري)، ومن جهة أخرى بين عناصر فصيلة الحراسات في سرية قوى الامن. الّا أن الخلاف لا يعني المواطنين اللبنانيين ولا المسافرين الاجانب بقدر ما يعنيهم أن حدثاً ما أدّى الى اذلالهم وايقافهم لساعات حائرين ضائعين لا من يجيب على أسئلتهم ولا يعرفون لماذا توقف مطارهم الوحيد في لبنان.
لن ندخل في الشقّ القضائي أو المسلكي للحكاية، فهذا شأن أصحاب الشأن من وزير الداخلية نهاد المشنوق مروراً بقيادتي الجيش وقوى الامن الداخلي وصولاً الى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس الذي فتح تحقيقاً. ولكن ما يعني المواطنين هو محاسبة من تسبّب بالضرّر ومن أخلّ بواجباته. الا ان آلية المحاسبة لن تسلك طريقها كما يبدو لان ما حصل في السابق كان يستدعي اجراءات لم تتّخذ من قبل. وجميع العارفين بشؤون المطار يجمعون أن الضابطين ضومط والحجار يتجاوزان صلاحياتهما في كلّ خلاف يقع بينهما. ولتجنّب تفاقم الخلاف بينهما وبالتالي بين جهازين يعملان على البقعة عينها، تمّ طرح عرض من وزير الداخلية يقضي باقالة الضابطين. قائد الجيش رفض العرض واعتبر يومها أن العميد ضومط غير مخطئ وهو بالتالي لن يستبدله بضابط آخر نتيجة تسوية على الطريقة اللبنانية مثل ستّة وستّة مكرّر تقضي باقالة الجميع اذا أخلّ جانبٌ واحد بواجبه الوظيفيّ، واعتبر أن اقالة أحد ضبّاطه قد ينعكس سلباً على معنويات الجيش.
هنا تعرقلت التسوية واعتبرت المديرية العامة لقوى الامن الداخلي، ومعها وزير الداخلية، أن استبدال العقيد الحجار لن يكون من جهة واحدة كي لا يتكرّس العرف بأن ضابط قوى الامن يقال من دون سواه في حالة نشوب اشكالات نتيجة التنازع على الصلاحيات.
هذا على المستوى المسلكيّ والاداريّ، أما على المستوى السياسيّ- الطائفيّ فانّ العميد جورج ضومط له علاقات واسعة بالقصر الجمهوري وتحديداً بأحد مستشاري رئيس الجمهورية، في حين أن العقيد الحجّار له علاقاته بوزارة الداخلية وبالمقرّبين من رئيس الحكومة. وهنا لا بدّ أن نتوقّف عند هذا الأمر، فالمحسوبيات السياسية هي التي تجعل من الامنيين أقوياء أو ضعفاء وهناك الكثير من الحالات التي أدى فيها الدعم السياسي لضابطٍ ما الى اختلال كبير في الدولة وفي سير عمل المؤسسات، والمثل الصارخ الذي لا يزال ماثلاً أمامنا هو قضية قائد جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير الذي تسبّبت محاولة اقالته سنة 2008 من منصبه من قبل وزارة الداخلية التي يتبع لها مباشرةً بنشوب حرب أهلية في بيروت والجبل عرفت بأحداث الثامن من أيار وأدّت الى وقوع عشرات القتلى المدنيين وكانت ستؤدي الى انفجار البلد برمّته. فشقير يومها كان من الضباط الذين يدورون في فلك حزب الله الذي منع اقالته أو استبداله بقوة السلاح.
بالعودة الى الوضع الحاليّ للمطار، تؤدي الخلافات المستمرة بين ضومط والحجّار أحياناً الى عرقلة شؤون أمنية. فمنذ فترة ليست ببعيدة قامت بعثة أمنية فرنسية بالعرض على قوى الامن الداخلي تدريب وتسليح عناصر من سرية قوى الامن لتشكيل قوّة خاصّة لمكافحة الارهاب تكون حاضرة للتدخّل عند أي اعتداء ارهابي يتعرّض له المطار. هذا الأمر جوبه بالرّفض من قبل جهاز امن المطار الذي يعتبر انه يمتلك مجموعة خاصة لمثل هذا الامر وبالتالي ليست هناك حاجة لوجود فرقتين خاصّتين. هنا تراجع الفرنسيّون عن عرضهم.
واذا ما دخلنا في التفاصيل الامنية للمطار سنكتشف أن أمن المطار لا يشبه الامن خارج المطار. ففي موازاة الانجازات الامنية التي تحققها الاجهزة اللبنانية في ضبط الامن، نرى ان المطار معرّض لخروقات عدّة وآخرها اكتشاف عاملة بنغلادشية تريد الهرب من لبنان بصورة غير شرعية تمكّنت من تسلّق وعبور سور المطار من جهة منطقة الأوزاعي المحاذية للمطار ولم يتمّ اكتشافها الا لاحقاً على مدرج المطار. وهنا لا بدّ ان نتوقف عند هذه الحادثة لنقول إن عاملة أجنبية لأسباب خاصّة تمكّنت من التسلل الى داخل حرم المطار، فكيف لو كان ارهابيّ مدرّب ومصمّم على تنفيذ اعتداء؟ هذا بالاضافة الى التهريب عبر مطار بيروت وآخر فصوله كان ضبط تهريب مخدرات من قبل ضابط وعنصر من قوى الأمن الداخلي. وفي فترة سابقة شهد المطار ضبط تهريب هواتف خلوية الى لبنان من قبل عصابة لبنانية، بالاشتراك مع ضابط وعناصر من الجمارك اللبنانية.
واللافت انه في كل تحقيق أمني يتعلّق بالمطار لا يتوصّل المحقّقون الى الاستعانة بكاميرات المراقبة التي يفترض ان تكون مزروعة في كل أنحاء المطار. وغالباً ما يكون الجواب ان الكاميرات معطّلة بسبب انعدام الصيانة وامّا لعدم وجودها أساساً في المنطقة المطلوب مسحها.
اليوم، لا تقع المسؤولية على ضومط والحجّار في كلّ الخروقات الامنية في المطار، الّا أن التصرفات غير المهنية والتدخلات السياسية والتحدّي بين الاجهزة الامنية يفتح حكماً قضيّة المطار الذي يتخوّف الجميع من أن يتحوّل الى مربّعات ومحميّات.
بالعودة الى الاشكال الذي يبدو أنه لا يزال معلّقاً، بالرغم من أن هناك لجنة مشتركة من شعبة المعلومات والشرطة العسكرية باشراف مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية تتولى التحقيق لتحديد المسؤوليات التي أدّت الى توقّف المطار عن العمل بتاريخ 25 أيلول الماضي.
ربما قد يعلن عن انتهاء التحقيق قريباً وقد يستتبعه ذلك استبدال الضابطين، الا ان ذلك لن يعني ان الخلافات والتنازع على الصلاحيات لن يستمرّ لطالما هناك ضبّاط "أقوياء" يسندون ظهورهم على مرجعيات مؤثرة في الحكم.
ولعلّ المفيد في هذا الامر هو اما الغاء جهاز أمن المطار، الذي تمّ انشاؤه لأسباب لم تعد موجودة اليوم، أو فليعطى بقوة القانون صلاحيات واضحة تخوّله ان يكون المسؤول الوحيد عن أمن المطار ويكون بتصرّفه بشكل لا لبس فيه كلّ عنصر امني متواجد في حرم مطار رفيق الحريري الدولي.