د. جوسلين البستاني
نداء الوطن
لا تُقاس الحرب الإدراكية بقدرة منظمة ما على خوض معركة معينة، بل بقدرتها على تحديد ما الذي تعنيه تلك المعركة. فهي لا تقتصر على إقناع الجمهور بدعم سياسة معينة، بل تسعى إلى تشكيل الإطار الإدراكي الذي تُفسَّر من خلاله الأحداث، وتُحدَّد فيه مصادر التهديد والشرعية، وتُقيَّم على أساسه الخيارات السياسية. في جوهرها، تتعلق الحرب الإدراكية بإمكانية تحويل الوقائع إلى معان سياسية.
وفي هذا المجال، برزت تاريخيًا إحدى أهم مزايا «حزب الله». فلم تكن حربه الإدراكية مجرد دعاية، بل قامت على تشكيل الإطار الذي يفهم اللبنانيون من خلاله القوة والردع والمقاومة. ونجح لسنوات في جعل مجرد امتلاكه القدرة على استخدام القوة يبدو دليلا على ضرورة وجوده، وبناء سلسلة بدت متماسكة: القدرة العسكرية تُقدَّم بوصفها رادعة، والردع بوصفه ضروريًا، والحاجة إلى المقاومة بوصفها مبررًا لاستمرار دوره وشرعية سلاحه.
لكن هذه السلسلة بدأت تتآكل مع التحول الذي طرأ على موقع «حزب الله» الاستراتيجي منذ عام 2024. وتتمثل المشكلة المركزية اليوم في تنامي ما يمكن وصفه بـ»عدم التطابق بين السردية والواقع المادي» (narrative-material mismatch). فما زال «حزب الله» يعتمد على إطار مرجعي يقوم على المقاومة والردع وعدم الاستغناء عنه وضعف الدولة، في حين أن الظروف المادية التي كانت تعزز هذا الإطار قد تغيرت. وبالتالي، لم يعد السؤال هو ما إذا كان قادرًا على إنتاج رواية مقنعة، بل ما إذا كان الجمهور اللبناني لا يزال يقبل صيغته للأحداث.
وهذا يفسر أهمية التركيز على الدولة. فحزب الله لا يحتاج بالضرورة إلى إقناع اللبنانيين بأنه لا يزال قويًا بقدر حاجته إلى الحفاظ على الانطباع بأن البدائل عنه لا تزال غير فعالة. وفي هذا السياق، تقدم خطبة الجمعة الأخيرة للشيخ أحمد قبلان مثالا واضحًا. فعندما تُصوَّر الدولة باعتبارها «مزرعة» خاضعة للنخب السياسية وشبكات الفساد، لا يكون الأمر مجرد هجوم على أدائها، بل تقويضًا لصدقيتها بوصفها بديلا أمنيًا وسياسيًا موثوقًا لـ»المقاومة». وكلما تراجعت الثقة بقدرة الدولة على حماية البلاد، بدا الاستغناء عن «حزب الله» أكثر عرضة لعدم اليقين.
وبالتوازي مع هذا الخطاب، يسعى «الإعلام الحربي» التابع لـ «حزب الله» إلى إثبات قدرة «المقاومة» على المواجهة العسكرية. فالادعاءات المتعلقة بالهجمات على القوات الإسرائيلية، بما فيها استخدام المسيّرات، تهدف إلى تقديم دليل على أن هذه القدرة لا تزال قائمة. وهنا يعمل المساران معًا: فالخطاب السياسي والديني يسعى إلى تكريس ضرورة استمرار «المقاومة»، بينما يسعى الأداء العسكري إلى إظهار قدرتها على المواجهة. لكن بقاء القدرة على الفعل العسكري لا يحسم وحده السؤال الأهم: «ماذا يعني هذا الفعل سياسيًا»؟
في هذا السياق تحديدًا تبرز أهمية «علي الطاهر»: فهي لا تمثل مجرد مواجهة عسكرية أخرى، بل اختبارًا لإمكانية «حزب الله» على تحويل واقعة ميدانية إلى معنى سياسي يخدم سرديته. فالمرتفعات الاستراتيجية المشرفة على النبطية ليست مهمة فقط بسبب قيمتها العسكرية، بل لأنها أصبحت ساحة للصراع على معنى السيطرة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة. فعندما يصبح «حزب الله» مضطرًا إلى خوض معركة إدراكية موازية حول واقعة ميدانية أساسية، بدل أن تكون الواقعة نفسها دليلا واضحًا على الردع، فإن الحرب الإدراكية تبدأ بالانقلاب عليه. تاريخيًا، كان قادرًا على أخذ الوقائع العسكرية، حتى تلك التي تحتمل أكثر من تفسير، وإدراجها ضمن سردية أوسع تمنحها دلالة ردعية، بصرف النظر عن مدى ارتباطها الفعلي بموازين القوة. أما اليوم، فإن الوقائع الميدانية لم تعد تنتج بالضرورة المعنى نفسه. وفي «علي الطاهر»، يصبح هذا الانفصال مرئيًا: يمكن لـ «حزب الله» أن يقاتل، وأن يفرض كلفة، وأن يرفض الاعتراف بخسارة الموقع، لكن كل ذلك لا يضمن أن يخرج الجمهور بالاستنتاج السياسي الذي يريده.
وهذا بالضبط هو التحدي الأساسي للحرب الإدراكية: إذا لم تُترجم القدرة العسكرية إلى ردع ملموس، فإن مبرر استمرارها يصبح أكثر عرضة للتشكيك، وبالتالي تصبح شرعيتها السياسية أكثر هشاشة. وكلما اتسعت الفجوة بين ما يستطيع «حزب الله» تحقيقه عسكريًا وبين ما يستطيع إقناع الجمهور بأنه يحققه سياسيًا من خلال سلاحه، ازدادت صعوبة الحفاظ على الأساس الذي يقوم عليه الدفاع عن هذا السلاح.
وبعبارة أخرى، لم تعد قدراته العسكرية تنتج بالضرورة المعنى السياسي ذاته الذي كانت تنتجه في السابق. فإذا كان «حزب الله» يواجه صعوبة في إقناع الجمهور بأن قتاله يثبت الردع، وفي الوقت نفسه لا يستطيع تحويل كلفته إلى شعور بالأمن، فإن السؤال ينتقل إلى: «هل لا يزال هذا القتال يبرر ضرورة وجوده؟
الحرب الإدراكية، في النهاية، لا تُحسم فقط بمن يستطيع استخدام القوة، بل بمن يستطيع تحديد معنى هذه القوة. وفي «علي الطاهر»، كما في الصراع الأوسع على دور الدولة والسلاح، يواجه «حزب الله» اختبارًا لم يعد عسكريًا فقط، بل يتعلق بقدرته على إعادة تدوير ما يفعله وتحويله إلى المعنى السياسي الذي يريده. وعندما يصبح هذا المعنى أقل وضوحًا، تكون المشكلة قد تجاوزت خسارة موقع؛ إنها خسارة القدرة على تفسير القوة نفسها.
وفي هذا المجال، برزت تاريخيًا إحدى أهم مزايا «حزب الله». فلم تكن حربه الإدراكية مجرد دعاية، بل قامت على تشكيل الإطار الذي يفهم اللبنانيون من خلاله القوة والردع والمقاومة. ونجح لسنوات في جعل مجرد امتلاكه القدرة على استخدام القوة يبدو دليلا على ضرورة وجوده، وبناء سلسلة بدت متماسكة: القدرة العسكرية تُقدَّم بوصفها رادعة، والردع بوصفه ضروريًا، والحاجة إلى المقاومة بوصفها مبررًا لاستمرار دوره وشرعية سلاحه.
لكن هذه السلسلة بدأت تتآكل مع التحول الذي طرأ على موقع «حزب الله» الاستراتيجي منذ عام 2024. وتتمثل المشكلة المركزية اليوم في تنامي ما يمكن وصفه بـ»عدم التطابق بين السردية والواقع المادي» (narrative-material mismatch). فما زال «حزب الله» يعتمد على إطار مرجعي يقوم على المقاومة والردع وعدم الاستغناء عنه وضعف الدولة، في حين أن الظروف المادية التي كانت تعزز هذا الإطار قد تغيرت. وبالتالي، لم يعد السؤال هو ما إذا كان قادرًا على إنتاج رواية مقنعة، بل ما إذا كان الجمهور اللبناني لا يزال يقبل صيغته للأحداث.
وهذا يفسر أهمية التركيز على الدولة. فحزب الله لا يحتاج بالضرورة إلى إقناع اللبنانيين بأنه لا يزال قويًا بقدر حاجته إلى الحفاظ على الانطباع بأن البدائل عنه لا تزال غير فعالة. وفي هذا السياق، تقدم خطبة الجمعة الأخيرة للشيخ أحمد قبلان مثالا واضحًا. فعندما تُصوَّر الدولة باعتبارها «مزرعة» خاضعة للنخب السياسية وشبكات الفساد، لا يكون الأمر مجرد هجوم على أدائها، بل تقويضًا لصدقيتها بوصفها بديلا أمنيًا وسياسيًا موثوقًا لـ»المقاومة». وكلما تراجعت الثقة بقدرة الدولة على حماية البلاد، بدا الاستغناء عن «حزب الله» أكثر عرضة لعدم اليقين.
وبالتوازي مع هذا الخطاب، يسعى «الإعلام الحربي» التابع لـ «حزب الله» إلى إثبات قدرة «المقاومة» على المواجهة العسكرية. فالادعاءات المتعلقة بالهجمات على القوات الإسرائيلية، بما فيها استخدام المسيّرات، تهدف إلى تقديم دليل على أن هذه القدرة لا تزال قائمة. وهنا يعمل المساران معًا: فالخطاب السياسي والديني يسعى إلى تكريس ضرورة استمرار «المقاومة»، بينما يسعى الأداء العسكري إلى إظهار قدرتها على المواجهة. لكن بقاء القدرة على الفعل العسكري لا يحسم وحده السؤال الأهم: «ماذا يعني هذا الفعل سياسيًا»؟
في هذا السياق تحديدًا تبرز أهمية «علي الطاهر»: فهي لا تمثل مجرد مواجهة عسكرية أخرى، بل اختبارًا لإمكانية «حزب الله» على تحويل واقعة ميدانية إلى معنى سياسي يخدم سرديته. فالمرتفعات الاستراتيجية المشرفة على النبطية ليست مهمة فقط بسبب قيمتها العسكرية، بل لأنها أصبحت ساحة للصراع على معنى السيطرة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة. فعندما يصبح «حزب الله» مضطرًا إلى خوض معركة إدراكية موازية حول واقعة ميدانية أساسية، بدل أن تكون الواقعة نفسها دليلا واضحًا على الردع، فإن الحرب الإدراكية تبدأ بالانقلاب عليه. تاريخيًا، كان قادرًا على أخذ الوقائع العسكرية، حتى تلك التي تحتمل أكثر من تفسير، وإدراجها ضمن سردية أوسع تمنحها دلالة ردعية، بصرف النظر عن مدى ارتباطها الفعلي بموازين القوة. أما اليوم، فإن الوقائع الميدانية لم تعد تنتج بالضرورة المعنى نفسه. وفي «علي الطاهر»، يصبح هذا الانفصال مرئيًا: يمكن لـ «حزب الله» أن يقاتل، وأن يفرض كلفة، وأن يرفض الاعتراف بخسارة الموقع، لكن كل ذلك لا يضمن أن يخرج الجمهور بالاستنتاج السياسي الذي يريده.
وهذا بالضبط هو التحدي الأساسي للحرب الإدراكية: إذا لم تُترجم القدرة العسكرية إلى ردع ملموس، فإن مبرر استمرارها يصبح أكثر عرضة للتشكيك، وبالتالي تصبح شرعيتها السياسية أكثر هشاشة. وكلما اتسعت الفجوة بين ما يستطيع «حزب الله» تحقيقه عسكريًا وبين ما يستطيع إقناع الجمهور بأنه يحققه سياسيًا من خلال سلاحه، ازدادت صعوبة الحفاظ على الأساس الذي يقوم عليه الدفاع عن هذا السلاح.
وبعبارة أخرى، لم تعد قدراته العسكرية تنتج بالضرورة المعنى السياسي ذاته الذي كانت تنتجه في السابق. فإذا كان «حزب الله» يواجه صعوبة في إقناع الجمهور بأن قتاله يثبت الردع، وفي الوقت نفسه لا يستطيع تحويل كلفته إلى شعور بالأمن، فإن السؤال ينتقل إلى: «هل لا يزال هذا القتال يبرر ضرورة وجوده؟
الحرب الإدراكية، في النهاية، لا تُحسم فقط بمن يستطيع استخدام القوة، بل بمن يستطيع تحديد معنى هذه القوة. وفي «علي الطاهر»، كما في الصراع الأوسع على دور الدولة والسلاح، يواجه «حزب الله» اختبارًا لم يعد عسكريًا فقط، بل يتعلق بقدرته على إعادة تدوير ما يفعله وتحويله إلى المعنى السياسي الذي يريده. وعندما يصبح هذا المعنى أقل وضوحًا، تكون المشكلة قد تجاوزت خسارة موقع؛ إنها خسارة القدرة على تفسير القوة نفسها.