سماحة الإمام ... على من قرأت مزاميرك قبل أن تغيب؟
01 Sep 202606:59 AM
سماحة الإمام ... على من قرأت مزاميرك قبل أن تغيب؟


العميد المتقاعد خالد حمادة - اللواء

استعاد الرئيس جوزاف عون مواقف الإمام موسى الصدر بمناسبة مرور 48 عاماً على تغييبه ورفيقَيه، مذكراً برفض الإمام بقاء الجنوب "منطقة منسيّة أو ورقة تفاوض" واعتباره أن "السلاح الذي يحمي الأرض هو سلاح الدولة الشرعي وحدها"، وأن "الأمن مسؤولية وطنية جامعة لا تُختزل بفريق دون آخر". فمن تلقف وكيف مواقف الإمام الصدر بعد اختفائه في 31 آب/أغسطس 1978 خلال زيارته إلى ليبيا؟

لقد عايش الإمام الصدر ثلاث سنوات من الحرب اللبنانية انهارت خلالها الدولة وكان لبنان برمّته وليس جنوبه فقط، ساحة اشتباك حيث تشرذم السلاح الشرعي بين تنظيمات مسلّحة تبنتها دول المنطقة على اختلافها بما فيها إسرائيل، كما واكب دخول قوات الردع العربية التي تحوّلت الى آداة لوصاية سورية امتدت لعقود وأطبقت على لبنان .

سماحة الإمام،

إن لبنان الذي رفضت بقاء جنوبه منطقة منسية أو ورقة تفاوض قد تحوّل بعد تغييبك إلى صندوق بريد وساحة اشتباك بين العدو الإسرائيلي من جهة ومن أرادوا تحرير فلسطين إنطلاقاً من جنوب لبنان من جهة أخرى، بعد أن صمتت كل الجبهات وبعد أن أسقطت دول الطوق شعارات "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف"ودخلت في اتّفاقات فك إشتباك مع العدو. لقد أفضت حقبة المغامرات المرتجلة إلى اجتياح لبنان ووصول الجيش الإسرائيلي الى بيروت وإخراج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من مرفئها.

لقد بدا للبعض أنّ اجتياح بيروت يمكن أن يشكل بداية لمرحلة جديدة، إذ أفضى الاحتلال إلى إنبثاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جمول" التي ولدت في 16 أيلول 1982 عقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت وانضم إليها الشباب اللبناني على تنوّعاته الحزبية والمناطقية والطائفية. لقد أثبتت الجبهة أن الدفاع عن لبنان لا يختزل بفريق دون آخر حيث نفذت سلسلة من العمليات ضد الإسرائيليين كان أولها في 20 أيلول في بيروت. وقد توالت العمليات بشكل شبه يومي الى حين الإنسحاب الاسرئيلي الأول الى صيدا في العام 1987، وبعده الإنسحاب الثاني في شباط 1985 حتى الشريط الحدودي. لكن الحقيقة أن الوضع الجديد عزز دور لبنان بعناصر جديدة، إذ تحوّل الجنوب إلى صندوق بريد بين سوريا وإسرائيل وبين سوريا والولايات المتحدة تحت عناوين متعددة أرادت سوريا من خلالها تكريس أحاديتها في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي أو ما تبقى منه.

سماحة الإمام، لقد رأيت في لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه وشدّدت على العدالة الإجتماعية ورفض التقسيم والفيدرالية واندماج الشيعة في الدولة، حيث ليس لديهم مشروع خاص واعتبرت أن "السلاح الذي يحمي الأرض هو سلاح الدولة الشرعي وحدها"، فعلى من قرأت مزاميرك ؟

أصارحك القول، أن انتصار الثورة الإسلامية في إيران رسمياً في 11 فبراير 1979 وإعلان قيام الجمهورية الإسلامية بعد تغييبك بأقل من ستة أشهر لم يأتِ بما يذكي توجه المقاومة اللبنانية الجامعة، وبما يمهد لقيام الدولة التي تدافع عن لبنان بقواها الشرعية كما شئت. لقد تحوّل جزء كبير من أفواج المقاومة اللبنانية التي أسّست والتي اعتبرتها إطاراً جامعاً لا يرتبط بطائفة من الطوائف بل يسعى لرفع الحرمان عن لبنان والدفاع عنه في مواجهة العدو الإسرائيلي إلى حزب عقائدي تقوده إيران ولا علاقة له بلبنان المتنوع.

لقد أسقط حزب الله منذ إعلان بيانه التأسيسي في 16 شباط 1985 أن "الحزب" ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله آية الله الموسوي الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة، مقولتك بأن "الأمن مسؤولية وطنية جامعة لا تُختزل بفريق دون آخر"، مهدداً أحد أهم مرتكزات الإجماع اللبناني فيما يتعلق بمواجهة إسرائيل.

وإذ يرزح لبنان تحت احتلال إسرائيلي وتدمير يومي ممنهج ويجاهر حزب الله بالتمسك بسلاحه وبتبعيته لطهران فإن رفض رئيس الجمهورية أن يبقى لبنان ورقة تفاوض لا يبدو ممكناً مع الاستمرار في التعامل مع المتغيرات الحادة والخطرة من موقع المتلقي وليس من موقع الفعل أو الشراكة. وفيما تضج المنطقة بالمتغيرات والتحالفات الجديدة من سوريا إلى دول الخليج وتركيا بما يجمع المحيط الهندي بالمتوسط مروراً بالبحر الأحمر فإن رفض البقاء كورقة تفاوض يتطلب التحلي بشجاعة الإقدام واتخاذ المواقف وحسم الخيارات من أجل انتزاع موقع جديد لإنقاذ لبنان.

فعلى من يجب أن يقرأ رئيس الجمهورية مزاميره لإنقاذ لبنان....