جيسيكا حبشي
خاص موقع Mtv
الحكومة في مجلس النوّاب لتُسأل وتُحاسب. لكن هل تكفي مساءلة الحكومة وحدها، فيما قرارات بحجم الحرب اتُّخذت خارجها، ثم يُطلب من الدّولة أن تتحمّل نتائجها ومن اللبنانيّين أن يدفعوا ثمنها؟
إذا كان الوزراء يُسألون عن قرارٍ إداريّ أو اقتصاديّ، فمن يُسائل "حزب الله" عن قرار عسكريّ غيّر مصير لبنان؟ ومن يسأله عن بيوت دُمّرت، وأرزاق فُقِدت، وعائلات نزحت، وأمهات فقدن أبناءهن، واقتصاد تحمّل مليارات الدّولارات من الخسائر؟
المساءلة لا يُمكن أن تقف عند باب الحكومة. فإذا كان لبنان كلّه يدفع ثمن الحرب، ألا يحقّ للبنانيّين أن يسألوا: مَن قرّرها عنهم؟ وبأيّ حقّ؟
وإذا كان "حزب الله" لا يزال يدافع عن قرار فتح جبهة الإسناد، فليقل للبنانيّين تحديداً: ماذا حقّق؟ ماذا حقّق للبنان؟ ماذا حقّق لغزّة؟ وماذا تغيّر على الأرض لمصلحة اللبنانيّين نتيجة هذا القرار؟
إذا كانت النتيجة تستحقّ الثَّمن، فما هي هذه النتيجة؟ وإذا كانت المواجهة إنجازاً في حسابات "الحزب"، فكيف يشرح هذا "الإنجاز" لعائلة خسرت منزلها؟ وكيف يشرحه لأم فقدت ابنها؟ ولجنوبيّ ترك أرضه وعمله وقريته؟ ولمن نزح مرة، ثم عاد، ثم وجد نفسه أمام حربٍ ونزوح جديدين؟
ثم ماذا عن معادلة الرّدع؟ لسنواتٍ، قدّم "حزب الله" سلاحه باعتباره قوّة تحمي لبنان وتردع إسرائيل. بعد الضّربات والاغتيالات والدّمار والتوغّلات والإنزالات والتّفجيرات والنزوح، هل ما زال "الحزب" يعتبر أنّ هذه المعادلة نجحت؟ إذا كان الجواب نعم، فما معيار هذا النجاح؟
هل الرّدع الذي لا يمنع الحرب يبقى ردعاً؟ وهل السّلاح الذي لا يمنع تدمير القرى يستطيع صاحبه أن يستمرّ في تقديمه للبنانيّين بالمنطق نفسه الذي سَبَق الحرب؟
ثم تأتي الفاتورة. رئيس الحكومة نوّاف سلام قال أمام مجلس النواب إنّ الحربين كلّفتا لبنان أكثر من 20 مليار دولار، وإنّ الرقم قد يتجاوز 27 ملياراً بعد اكتمال احتساب حرب 2026.
من يُعيد بناء المنازل؟ من يعوّض أصحاب المؤسّسات؟ من يُعيد للمزارع موسمه ولصاحب المتجر عمله وللعائلة سنوات من عمرها؟ ولماذا يُصبح قرار الحرب عند طرفٍ، بينما تُصبح فاتورتها عند الدّولة وكل اللبنانيّين؟ وبأيّ حق يُطلب من لبنانيّ رفض الحرب، ولم يُستشر ولم يُشارك في قرارها، أن يدفع ثمنها من أمنه ورزقه وماله، وربّما من دمه؟
هل أجرى "الحزب" مراجعة؟ هل اعتَرَف بخطأ واحدٍ؟ ولماذا اختار الاستسلام أمام إسرائيل في علي الطاهر وغيرها وتسليم المزيد من الأراضي لإسرائيل بدلاً من تسليمها وسلاحه للجيش اللبناني؟
هل قال للبنانيّين إنّ تقديراً واحداً كان خاطئاً، أو إنّ قراراً واحداً كان يُمكن أن يُتخذ بطريقة مختلفة؟ أم أنّ كل القرارات كانت صحيحة، فيما كانت النتائج بهذه القسوة على لبنان؟
هذه الأسئلة لا تعفي إسرائيل من مسؤوليّتها عن اعتداءاتها وقتل المدنيّين وتدمير المنازل واحتلال أراضٍ لبنانيّة. المسؤوليّة عن هذه الأفعال تقع على من ارتكبها. لكنّ ذلك لا يسقط حقّ اللبنانيّين في مساءلة من اتخذ قراراً عسكريّاً غيّر مصير شعب بأكمله.
وهنا تطال المساءلة الدّولة أيضاً: كيف حاسبت وستُحاسب "حزب الله" على قرار حرب تقول إنّها لم تتّخذه؟ وإذا لم تحاسبه، ولم تمنع تكرار ما حصل مراراً، فبأيّ معنى يكون قرار الحرب والسّلم بيدها؟
المساءلة، يا سادة، ليست فقط مَن أخذ لبنان إلى الحرب؟ بل ماذا فعلت الدّولة بمَن أخذ القرار من يدها، بعدما سمحت لسنواتٍ بأن يبقى قرار الحرب خارج مؤسساتها؟
فإذا لم تُحاسِب اليوم، بعد كلّ ما دفعه لبنان، فهي لا تترك الماضي بلا حسابٍ فحسب، بل تترك الباب مفتوحاً لتكراره. وإذا تكرّر، فلن تكون المساءلة فقط لمَن اتخذ قرار الحرب، بل أيضاً لمَن كان قادراً على منع تكراره ولم يفعل.