ما كشفته الانتخابات الإسرائيلية ليس ما سيحدث في تل أبيب، بل ما يجري في رؤوسنا نحن. غداة الاقتراع، ومع استمرار فرز الأصوات وعدم امتلاك أي فريق حتى الساعة الأكثرية اللازمة لتشكيل حكومة، وبغض النظر عن النتائج المرتقبة، لفتني الانفصام الذي رافق هذا الحدث الإسرائيلي الصرف لدى غالبية الشعوب العربية والإسلامية.
يتابعون الانتخابات الإسرائيلية وكأن أصواتهم في الصناديق. يدلون بآرائهم وأحكامهم، ويوزعون التزكيات والشتائم، ويتدخلون في اقتراع لا يحق لهم أن يقترعوا فيه. وفي غمرة ذلك ينسون أن في إسرائيل مواطنين عرباً ومسلمين، يقترعون ويحملون الجنسية نفسها، وأن هذه دولة فيها ناس يعيشون ويعملون ويدفعون الضرائب. فنراهم يحللون ويحرّضون من الخارج، كأن غايتهم تفتيت الداخل الإسرائيلي، وكأن هؤلاء المواطنين أدوات في معركة الآخرين لا أصحاب قرار. هم تعودوا على تدخل الآخرين في دولهم فسقط الرادع.
وسر هذا الانشغال أن إسرائيل تبدو في عيون كثيرين كالفتاة الجميلة التي يُسمح بالنظر إليها من بعيد ولا يجوز الاقتراب منها، أو كالشمس التي تجذب وتحرق. إعجاب مرضي مقرون بكراهية عمياء. نتابع انتخاباتها كأنها مباراة نهائية، ونحلل ائتلافاتها ونحصي مقاعدها، ثم نعلن أنها كيانا مصطنعاً غير موجود! فلماذا كل هذا الهوس بما لا يعنينا؟ لأن الجواب أبسط وأقسى مما نعترف.
نعجب بها في السر، ونشتمها في العلن. نعجب بديمقراطيتها وحريتها ومؤسساتها وقوانينها. نعجب بتكنولوجياها وجيشها وقدرتها على الابتكار. نعجب بأن اقتصادها من الأقوى والأكثر ابتكاراً في المنطقة، وقد صمد رغم حروب على عدة جبهات. وفي اللحظة نفسها نكرهها، لا لأنها تعتدي اوتدافع فحسب، بل لأنها أفضل منا في ما نعجز عنه.
والمفارقة أن أحداً لا يريد أن يقتنع بأن التحالف مع دولة بهذه المقومات أفضل لكل دول المنطقة من محاربتها. ومن هنا أهمية اتفاقيات أبراهام. وحقيقة مواقف بعض الأطراف منها، فهي لا تنبع غالباً من رفض مبدئي، بل من خوف أن تنفتح الشعوب على الشعب الإسرائيلي فتحسده، وتطالب بما يتمتع به من حقوق وحرية وديمقراطية، وفي طليعتها مبدأ المحاسبة، ومبدأ أن الشعب هو من يحاكم قادته ويقيلهم.
وأبعد من ذلك، في لبنان مثلاً، أظن أن ثلاثة أرباع اللبنانيين يحسدون الإسرائيليين على القادة الذين لديهم. ليس لان لدى هؤلاء ولاء مطلق لبلدهم فحسب، بل لأنهم يتمنون ان يكون للبنان قادة يحبونه ومستعدين للمحاربة وللموت من أجله.
انظروا إلى المرشحين والسياسيين الإسرائيليين، من يحيئيل لايتر، سفير إسرائيل في واشنطن، إلى غادي آيزنكوت. كلاهما فقد ابناً في الحرب، وكثيرون من أمثالهما يقدمون أبناءهم لخدمة الجيش، لا يستثنونهم من الخطر ولا يخبئونهم خلف الألقاب. هذا ما يجعل القائد يتحدث عن الدم وهو يعرف ثمنه.
وفي المقابل، ما يفعله حكام لبنان وإيران هو العكس تماماً. أبناؤهم يعيشون في الخارج، في الترف وفي أغلى الأماكن وأفخمها، فيما يُرسَل أبناء الناس إلى الموت وإلى الانتحار باسم القضية. وهكذا في فلسطين نفسها: أبناء قادة حماس وأبناء مسؤولي السلطة الفلسطينية يعيشون في الفنادق والعواصم وبأموال طائلة، فيما يدفع الناس العاديين الثمن كاملاً، دماً وجوعاً وتشريداً. أبناء الشعب يموتون، وأبناء القادة يتسوقون.
هنا بالضبط يتجلى الانفصام. نكره إسرائيل لأنها تنتصر، ونحسدها لأنها تحاسب، ونخاف منها لأنها تفعل ما لا نجرؤ عليه: أن تجعل القائد يدفع ثمن قراراته.
لا أدعو إلى أن نحبها، ولا إلى نسيان الألم، ولا إلى تجاهل ما فعلته. أدعو إلى أن نتصالح مع الحقيقة والواقع، ونبحث عن أفضل صيغة للعيش معها وبجوارها. من لا يستطيع أن يعترف بما يعجبه في عدوه لن يتعلم منه، ومن لا يتعلم من عدوه سيبقى عالقاً مع عدوه الحقيقي: جهله.
الجميع يتابع الانتخابات الإسرائيلية بأنفاس محبوسة. فلنسأل لماذا لا تحبس أنفاسنا انتخاباتنا نحن، ولماذا لا يخاف قادتنا من صناديقنا كما يخاف قادتهم من صناديقهم.
يتابعون الانتخابات الإسرائيلية وكأن أصواتهم في الصناديق. يدلون بآرائهم وأحكامهم، ويوزعون التزكيات والشتائم، ويتدخلون في اقتراع لا يحق لهم أن يقترعوا فيه. وفي غمرة ذلك ينسون أن في إسرائيل مواطنين عرباً ومسلمين، يقترعون ويحملون الجنسية نفسها، وأن هذه دولة فيها ناس يعيشون ويعملون ويدفعون الضرائب. فنراهم يحللون ويحرّضون من الخارج، كأن غايتهم تفتيت الداخل الإسرائيلي، وكأن هؤلاء المواطنين أدوات في معركة الآخرين لا أصحاب قرار. هم تعودوا على تدخل الآخرين في دولهم فسقط الرادع.
وسر هذا الانشغال أن إسرائيل تبدو في عيون كثيرين كالفتاة الجميلة التي يُسمح بالنظر إليها من بعيد ولا يجوز الاقتراب منها، أو كالشمس التي تجذب وتحرق. إعجاب مرضي مقرون بكراهية عمياء. نتابع انتخاباتها كأنها مباراة نهائية، ونحلل ائتلافاتها ونحصي مقاعدها، ثم نعلن أنها كيانا مصطنعاً غير موجود! فلماذا كل هذا الهوس بما لا يعنينا؟ لأن الجواب أبسط وأقسى مما نعترف.
نعجب بها في السر، ونشتمها في العلن. نعجب بديمقراطيتها وحريتها ومؤسساتها وقوانينها. نعجب بتكنولوجياها وجيشها وقدرتها على الابتكار. نعجب بأن اقتصادها من الأقوى والأكثر ابتكاراً في المنطقة، وقد صمد رغم حروب على عدة جبهات. وفي اللحظة نفسها نكرهها، لا لأنها تعتدي اوتدافع فحسب، بل لأنها أفضل منا في ما نعجز عنه.
والمفارقة أن أحداً لا يريد أن يقتنع بأن التحالف مع دولة بهذه المقومات أفضل لكل دول المنطقة من محاربتها. ومن هنا أهمية اتفاقيات أبراهام. وحقيقة مواقف بعض الأطراف منها، فهي لا تنبع غالباً من رفض مبدئي، بل من خوف أن تنفتح الشعوب على الشعب الإسرائيلي فتحسده، وتطالب بما يتمتع به من حقوق وحرية وديمقراطية، وفي طليعتها مبدأ المحاسبة، ومبدأ أن الشعب هو من يحاكم قادته ويقيلهم.
وأبعد من ذلك، في لبنان مثلاً، أظن أن ثلاثة أرباع اللبنانيين يحسدون الإسرائيليين على القادة الذين لديهم. ليس لان لدى هؤلاء ولاء مطلق لبلدهم فحسب، بل لأنهم يتمنون ان يكون للبنان قادة يحبونه ومستعدين للمحاربة وللموت من أجله.
انظروا إلى المرشحين والسياسيين الإسرائيليين، من يحيئيل لايتر، سفير إسرائيل في واشنطن، إلى غادي آيزنكوت. كلاهما فقد ابناً في الحرب، وكثيرون من أمثالهما يقدمون أبناءهم لخدمة الجيش، لا يستثنونهم من الخطر ولا يخبئونهم خلف الألقاب. هذا ما يجعل القائد يتحدث عن الدم وهو يعرف ثمنه.
وفي المقابل، ما يفعله حكام لبنان وإيران هو العكس تماماً. أبناؤهم يعيشون في الخارج، في الترف وفي أغلى الأماكن وأفخمها، فيما يُرسَل أبناء الناس إلى الموت وإلى الانتحار باسم القضية. وهكذا في فلسطين نفسها: أبناء قادة حماس وأبناء مسؤولي السلطة الفلسطينية يعيشون في الفنادق والعواصم وبأموال طائلة، فيما يدفع الناس العاديين الثمن كاملاً، دماً وجوعاً وتشريداً. أبناء الشعب يموتون، وأبناء القادة يتسوقون.
هنا بالضبط يتجلى الانفصام. نكره إسرائيل لأنها تنتصر، ونحسدها لأنها تحاسب، ونخاف منها لأنها تفعل ما لا نجرؤ عليه: أن تجعل القائد يدفع ثمن قراراته.
لا أدعو إلى أن نحبها، ولا إلى نسيان الألم، ولا إلى تجاهل ما فعلته. أدعو إلى أن نتصالح مع الحقيقة والواقع، ونبحث عن أفضل صيغة للعيش معها وبجوارها. من لا يستطيع أن يعترف بما يعجبه في عدوه لن يتعلم منه، ومن لا يتعلم من عدوه سيبقى عالقاً مع عدوه الحقيقي: جهله.
الجميع يتابع الانتخابات الإسرائيلية بأنفاس محبوسة. فلنسأل لماذا لا تحبس أنفاسنا انتخاباتنا نحن، ولماذا لا يخاف قادتنا من صناديقنا كما يخاف قادتهم من صناديقهم.