زيان
النهار
لا يندرج النظام اللبناني في عداد الأنظمة العربيَّة المسوَّسة، والأحادية الرأس، والفرديَّة المفرطة والجانحة حتى التسلَّط والاستبداد، والتي يتوالى سقوطها تباعاً نزولاً عند رغبة شعوب ضاقت ذرعاً بالاحكام العرفية وقوانين الطوارئ ووطأة المؤسسات الأمنية المطلقة الصلاحيات.
ولا الشعب اللبناني يئن من جوْر النظام المفرد والوحيد في المنطقة، ولا يزال يحافظ على تمايز كبير عن كل ما في المنطقة من أنظمة، ويزداد تمسُّكا بالاعراف والتقاليد الديموقراطية والحريات العامة، حتى خلال الحروب القذرة والانفلاتات الهمجيَّة التي عاشها طويلاً، وحتى اللحظة.
إذاً، وباختصار ووضوح، لا يحتاج لبنان الى نظام جديد لننادي باسقاط النظام الحالي الذي يتمتَّع بكل ما يوفِّر للشعب اللبناني، وحتى على مستوى الفرد، والجماعة، والفئات، والأحزاب، والحقوق، والضمانات، والتقديمات، كل ما يميِّز الأنظمة الديموقراطية في أرقى بلدان العالم.
فالعلة ليست في النظام. ولا في النصوص الدستورية. ولا في القوانين العامة والاحوال الشخصيّة. إنما هي في التطبيق كما في النفوس. بل في عدم التطبيق، وفي التطبيق الكيفي الذي يندرج أحياناً في خانة المحاباة الطائفيَّة أو المذهبيّة.
لا يدَّعي النظام اللبناني الكمال. إلا انه يدعو الذين ينادون باسقاطه الى الاطلاع على مضمونه ونصوصه، وقوانينه، ومندرجاته، وتقاليده، وأعرافه، وتالياً نفض الغبار عن "الإبداعات" البرلمانية والنقاشات والمبارزات، والخطب، والاجتهادات التي لا تزال قاعة الجلسات في مجلس النواب تحنَّ اليها، وتبكي دماً على فقدانها في هذا الزمن الرديء.
النظام معطَّل في لبنان منذ ان كانت "وقيعة" بوسطة عين الرمانة التي مهَّدت لأقذر مؤامرة سطرها التاريخ وعاشتها شعوب.
والدستور شبه معلَّق.
والمؤسسات والدوائر شبه ملغاة.
والقوانين لا تختلف حالها عن حال المقيمين في "العزل الجبري".
مع ذلك، وعلى رغم كل هذه الاصابات والطعنات التي تعرَّض لها النظام الديموقراطي البرلماني التمثيلي الذي يحافظ على المساواة بين المواطنين، يستطيع أن ينهض ويعاود مسيرته خلال فترة وجيزة.
كل العالم شهد لهذا النظام على انه يجسِّد أفضل تمثيل للصيغة اللبنانية المكوَّنة من ثماني عشرة طائفة، معظمها من الأقليات... لكن حقها محفوظ بموجب الدستور والميثاق الوطني.
على هذا، فلنقل ان نظامنا يفتقر الى اصلاحات وتعديلات إصلاحية وتحديثية طفيفة. لا بأس.
إنما يفتقر هذا النظام الى خطوتين ليستحقَّ التميّز تماماً، والتبختر في ثوب الوطن الرسالة: تطبيق النص المتعلق بفصل الدين عن الدولة، واقرار الزواج المدني، مع رفع لواء اللامركزية الاداريّة.
لا يكفي ان يتحمس الشباب للانخراط في تظاهرات كيفية، تصدح خلالها اصواتهم مطالبة باسقاط النظام.
فأيّ نظام هو الذي يهيئونه بديلاً ليحل محل النظام الغاضبين عليه؟
هذه شعارات لا مضمون لها. فليركَّزوا المناداة والأهداف والهتافات على البندين الأساسيين اللذين يجعلان من النظام الحالي أفضل نظام في العالم.
فإذاً كل شيء في هذا النظام حَسَن.