بول شاوول
المستقبل
ميشال عون شهيد. شئتم أم أبيتم. شهيد حي دائم كامل. موصول. لا يرتاح لحظة من شهادته. فلا رفيق الحريري شهيد. ولا شهداء 14 آذار شهداء. ولا بطرس حرب شهيد حي. ولا مروان حمادة.. ولا وسام الحسن فكل هؤلاء قُتلوا. او استنحروا أو ماتوا بحادث. او لخلافات. أو ان ابناءهم أو آباءهم قتلوهم. ميشال عون الشهيد الحي الوحيد. رائع! ولأنه الشهيد الحي الوحيد، فمن واجبه ان يعاقب كل هؤلاء الذين "سرقوا" منه الشهادة الشرعية الموثقة. ويشوه صورتهم... ويضلّل التحقيق. "الشهيد" الحي مضلّل. ولأنه خرج من "شدق الموت" بأعجوبة من المحاولة الأخيرة. فيحق له ان يتهم الشهيد الحسن باغتيال نفسه. بتحميله مسؤولية اغتياله. نعم! ميشال عون لم يُصَبْ في المحاولة المزعومة، إلا لأنه احتاط، ولأنه احتاط، كرجل عسكري (لم يربح معركة عسكرية واحدة في حياته) ورجل عبقري، فيعني ان وسام الحسن لم يتخذ الاحتياطات اللازمة مثله، فدفع ثمن اهماله، لا قاتل إذاً. وسام الحسن اختار بنفسه قدرَه. فتعرض لمتفجرة تزن 70 كيلوغراماً عن سابق تصور وتصميم. فهو اختار مكان مقتله، وهو اختار سلاح مقتله والقتلة أيضاً. هذا اذا كان هناك من قتل، ومن خطط، ومن نفذ. وفي "عقل" ميشال عون انه يمكن أن يكون وسام الحسن قد قُتل بلا متفجرة. ولا قاتل. لأن جنرال الهروب، عندما هرب من الجيش السوري تاركاً جنوده وعائلته لقدرهم، عرف كيف يهرب، وكيف يختفي، وكيف "يزمط" من مصيره المحتوم كغزلان البراري. لا قاتل إذاً. واذا كان ثمة قاتل فهو مجهول. بلا مرجعية. ولا مؤامرة. هكذا خطر للمجرم وحده ان يجهز السيارة المفخخة... ويفجر وسام الحسن.
تجهيل القاتل. هنا بيت القصيد. وتصفية القضية، هنا عقل ميشال عون. ويمكن ان ينسحب هذا المنطق على ميشال سماحة زميله في المقاومة والممانعة. فهو ايضاً لم يكن حَذِراً. ذنبه الوحيد ليس نقل المتفجرات لاحداث فتنة، ولا تنكبه مخطط اغتيالات فردية وجماعية، بل فقط ان كانَ عليه ان يكون "حذراً" ولولا ذلك... لنجح مخططه وضربت البلاد وانبسط ميشال عون! وهنا ذنب وسام الحسن، انه اوقع ميشال سماحة في الفخ. وكان عليه أن يتركه وشأنه، مع المتفجرات، ومع كل ما رسم من جرائم، ومن وضع واخراج علي المملوك! إذاً فليُفحَّم، خصوصاً وان وسام الحسن "دق" بالتيار، عندما اكتشف عمالة فايز كرم، احد اركانه. وأحد الخلّص. وذو الكلمة المسموعة وذو الوطنية المطببة العطرة الزكية الفيحاء. فلماذا لا ينتقم منه بعد استشهاده. فهو تجاوز الخطوط الحمر بالقبض على سماحة واكتشاف عمالة كرم. فليفحُم وفحّم. فهو لم يهدر دمه. ولا حرض عليه، مع زمرة تافهة من حزب الله والنظام السوري.. وأبواقهم الاعلامية. ومن الطبيعي، أن يُعبر جنرال المحبة و"التوازن" والعافية الفيزيقية والعصبية والعقلية والشعورية والوطنية أن "يستفرد" الشهداء. وكلنا نتذكر ما كان أول تصريح له بعد اغتيال سمير قصير: ان وراء ذلك مسألة نسائية! (طبعاً هيدا حكي نسوان فرن يا ذا الرجولة والشهامة) وكلنا نتذكر كيف شمت بجبران تويني بعد مقتله: جبران كل يوم شكل. ونتذكر جواب الصحافي والكاتب الكبير الراحل غسان تويني على تفوهات عون "هيدا بلا دم"! قالها "هيدا الرجل بلا دم!" (صرح بذلك في احدى المقابلات التلفزيونية). بلا دم! ونتذكر تعليقه على استشهاد المقاوم والمناضل الكبير جورج حاوي "عندو مشاكل وعلاقات.. ويمكن هيدا السبب".. ونتذكر كيف اعتبر ان محاولتي اغتيال بطرس حرب وسمير جعجع فبركة اعلامية، ودعاية انتخابية! (يا رحوم يا جنون يا محباً للبشر).
رائع! هذا هو ميشال دكتور اختصاصي في تشويه سمعة الشهداء.. ونتذكر اكثر كيف راح "يدنس" ذكرى الرئيس رفيق الحريري، ويهاجمه بعد موته! رائع! دكتور متخصص بالتعمية. والتضليل، وحرف الانظار عن المتهمين المفترضين. هذه المدرسة الاعلامية، الديماغوجية، من انجازات حلفائه: من حزب الله إلى حزب البعث اللاعربي واللاشتراكي ومرتزقتهما. ونتذكر كيف عالجت "تشرين" مسألة استشهاد الحريري "سعد الحريري قتل والده ليرثه" ونعرف من فبرك رواية ابو عدس، والحجاج الاستراليين لتضليل التحقيق.. الذي توصل أخيراً الى اتهام اربعة من "المقاومين" اشرف الناس وأنقاهم وأطهرهم واتقاهم، عند حزب ولاية الفقيه، دام ظله، في الاشتراك (مع حزبه) في قتل الشعب السوري دفاعاً عن نظام يشبهه! ولكي نفهم "مغزى كل هذه الأساليب نتذكر كيف "استبعد" ميشال عون دور النظام السوري في مقتل الحسن. والرئيس الحريري. وشهداء 14 آذار بل وكيف "نفى" اعلام 8 آذار وجهابذته وبعد ثبوت التهمة على سماحة، ليفصل القضية عن علي المملوك باعتبار سماحة قام بهذه العملية وخطط لها وحده!(هناك كبش محرقة دسم) هكذا. اذاً وبلا حساب، يعرف، عندما يتلاعب بالحقائق المفترضة، من يخدم. لكنه، لا يكتفي بذلك. بل يُمعن في نبش قبور هؤلاء الشهداء. (قال عنه غسان تويني: هيدا بلا دم!) فوسام الحسن ليس شهيداً. وتالياً ليس شهيد الوطن. وهنا يتذاكى (وهو ذكي لمّاح!) ولماذا لم نعتبر مثلاً الرئيس رينه معوض شهيد الوطن. (كتبنا ذات مرة ان ميشال عون يغار حتى من الشهداء). ومن ينسى الهجوم الذي شنه عليه بعد انتخابه رئيساً. قال عنه انه عميل سوري! وانه غير شرعي (تماماً كما شتم الرئيسين الياس الهراي واميل لحود، حليفه المفدى) ، فوسام الحسن ليس شهيداً أصلاًَ لكي يكون شهيد الوطن، او شهيد أي قضية أو رسالة! او اي دور. او اي قضية. أو اي انتماء. فكل هؤلاء ابتداء من مروان حمادة (حياً يرزق والحمدالله) والرئيس الحريري وشهداء 14 آذار وصولاً إلى حرب وجعجع... ليسوا بشهداء: "انا الشهيد الحي الوحيد" في لبنان. ودليله انه واجه الجيش السوري حتى آخر نقطة من دمه، في ساحات الوغى! ولم يصب بوردة، وانه وبشجاعة نادرة، عرف كيف ينجو من كل محاولات قتله (واسألوا الراحل ايلي حبيقة) فهو منذ زمان شهيد حي. (ويمكن ان نراجع صورته يُمالح بفرح وحبور الضباط الاسرائيليين غزاة لبنان في 1982 على المتحف لنتأكد من ذلك. فهو "ابو الخطر"! "طلاع المنايا" يلاعب الموت كما يلاعب اصابعه! هذا هو ميشال عون "الشهيد" الوحيد بين كل هؤلاء. في احدى مقابلاته التلفزيونية الأخيرة تكلم على معاني "شهادته" وتلك المحاولة "الأثيمة" (بفتيشة اصابت اسفل السيارة حيث يجلس عادة!) في معرض تعليقه على استشهاد الحسن وكأنه اعتبر ان ما تعرض له اخطر بكثير مما تعرض له الشهيد الكبير. راح يسرد على المشاهدين وقائع العملية "الفاشلة" (افشلها بحذره وذكائه الفائض!) وبدت جريمة اغتيال الحسن "ثانوية" صغيرة اذا قيست بما عاناه من وقع محاولة "اغتيال": تكلم عن نفسه "كشهيد حي" اكثر مما تكلم عن رجل قتل بـ 70 كيلو من المتفجرات وفي وضح النهار! اهي النرجسية. أهو جنون العظمة. أهو الانسحاق تحت غياب الواقع. أهو استهبال الذات. او استهبال الناس.. شيء مخيف! ان ترى رجلاً "يُصَنف" بين "القادة" يروي هذه الروايات . والله! غطَّت الفتيشة على 70 كيلو من المتفجرات. وغطى الثقب في السيارة على تدمير حي بكامله بالاشرفية. ما هذا! وبالمناسبة اوعى تنسوا زميله في الممانعة والمقاومة وزير البنغو سليمان فرنجية الذي لم يقلّ عن هذا الأخير نبلاً، وضميراً وشرفاً وموضوعية ووطنية وانسانية في آخر حديث تلفزيوني له تناول فيه اغتيال وسام الحسن! (والله! انهم قادة ونص. وزعماء ونص. ومقاومون والف نص ونص!) فمقارنة "المحاولة" التي تعرض لها (بسيارة مموهة اصيبت قبل ثلاثة اشهر برصاصة في طرابلس كما اوردت التحقيقات) بالجريمة التي ارتكبت بحق وسام الحسن، قد تكون "مضحكة" وسخيفة، وصبيانية، لكنها في الوقت ذاته محاولة لخلط القضايا والاوراق والاتهامات، والهدف صرف الانظار عن القتلة! قضية بقضية. اغتيال بمحاولة اغتيال. شهادة.. بشهادة! والغريب ان الجنرال و"حلفاءَه"... اتهموا اسرائيل بعملية وسام الحسن .. تماماً كما اتهموها باغتيال شهداء 14 آذار (لماذا لا تقتل اسرائيل سوى خصوم النظام السوري.. و"عملائها"!) قبل التحقيق، لكن لماذا لم يتهم الجنرال المفدى، صانع الانتصارات، اسرائيل بمحاولة اغتياله، وهو لا يقل ممانعة ومقاومة عن رفاقه في المقاومة ميشال سماحة وفايز كرم وكريم بقرادوني... غريب! ولو الا توجه اصابع الاتهام الى اسرائيل الا عندما يتم استهداف رموز 14 آذار غريب! ولماذا لم يتهم اميركا وهو احدى الواجهات المتصدية للمشروع الأميركي الاسرائيلي في المنطقة! لكنه ذكي والله، فمن يختار صيدا مكاناً لاغتياله، فمن الصعب ان يتهم اسرائيلّ فصيدا اولى بالمعروف، واهل صيدا "اشرس" من اسرائيل وأخطر منها، فهناك يمكن ان تحدث فتنة مذهبية. وهناك موئل من موائل تيار المستقبل. اذاً: المكان نفسه يبرئ اسرائيل! فعون الذي كان عليه ان يختار المكان الذي ستتم محاولة اغتياله فيه مع التوقيت المناسب، والسيارة والرصاصة كان يعرف ما معنى رمزية المكان. فاسرائيل ليست في وارد اغتياله. ولا اغتيال احد من 8 آذار (وهذا ما حدث) لأنها مشغولة بتصفية حلفائها وحلفاء أميركا... وما يعرفه الناس يا "رئبال" التيار.. ان الذين يُقتلون ويَغتالون.. هم "اعداؤك امس" وحلفاؤك اليوم. فلماذا لا تجري اتفاقاَ سرياً بينك وبينهم، ليجربوا معك.. تجربة مسرحية (هل تعرف ما هو المسرح) او اسكتشاًَ هزلياً.. بأن يحاولوا "اغتيالك" .. هكذا مسرحياً، بمتفجرة مفرقعة، او بطلقات فارغة وعندها يكون السيناريو على الأقل واقعياً؛ ويمكن عندها، وانت حددت الدور والسيناريو.. فتتهم من تشاء: اهل صيدا، اهل طرابلس، اهل عكار.. وعندها "تُطّوب" قديساً كالمتهمين الاربعة من حزب الله حامي قداستهم واجرامهم، وتطوب "قديس الشهداء، الاحياء". ولو! فأنت اصلاً فصل من مسرحية رديئة فلماذا لا توسع أدوارك إلى التراجيديات اليونانية، بدور الضحية.. بالاتفاق مع خبراء القتل من حلفائك ومحترفي التفجيرات! وعندها يكون لك ما تحلم به، ان تبحث عن قاتل. او عن ممثل دور، او عن مخرج، وعندها، توفر عن نفسك عبء شن حرب ثانية الغائية على الاعلام، والكتاب والصحافيين. وعندها تُسكت كل هؤلاء الذين شككوا برواياتك البوليسية وتفحمهم (كما فحّمت وسام الحسن) لأن ما يبدو من تاريخك (قلت تاريخك. عفواً تاريخ "الآخرين" عبرك!) مفطور على الالغاء. فمن حرب الغاء القوات اللبنانية بسلاح سوري (مقابل سلاح عراقي صدامي لمحارية السوريين) الى حرب الغاء مجلس النواب، والحكومة.. ومن فيها، الى حرب الغاء الاعلام والصحافة.. وصولاً إلى الشهداء الاحياء والأموات، وكل من تُسول نفسه ان يقترب من تيارك المكهرب بـ70 مليون كيلوات ! بل وكل من تسول نفسه ان يمس بوردة صهرَك هذه المعجزة السماوية، ابا الانجازات الكهربائية والمائية والاتصالاتية والانفصالاتية والتعتيمية.. والطائرات الخاصة اوالعامة.. رائع!
لكن عندك مشكلة أو اكثر يا "سبع الغاب" ان الناس باتوا يرون فيك كائناً من ماض سحيق. ظاهرة بدأت "تذوب كثلوج الصيف" المشكلة ان الناس، التي لم تعد تصدقك ما زالت تنبهر بسلوكك وتصرفاتك، باتت مندهشة بهذه "اللانسانية" التي تطفر منك. بهذه "المخيلة" المفككة المفبركة التي تحرك هواجسك النرجسية. بهذا الادمان المفرط بالسلطة.. وبأي ثمن. بهذا التشفي بالموتى والشهداء. بغياب اي رحمة في عينيك. واي شفقة على لسانك! ذلك انك، ومن اجل الذي "يسلطك" على العباد.. مستعد لأي شيء! اي شيء! ولهذا صرت ظلاً "مرئياًَ" وخيالاً تائهاًَ بين الكبار: من هم الكبار" هؤلاء الذين يواجهون امثالك؛ هؤلاء الذين يواجهون الاستبداديين والعملاء والقتلة ويمضون تخريباً في وطنهم واقتصادهم وتاريخهم خدمة للخارج! هؤلاء هم الكبار: اما انت، فبت على هامش الهوامش مجرد صدى مشروخ، مجرد ملابس وحركات امام زمن جديد يخونك. ويخون حلفاءك واشباههم في الربيع اللبناني والربيع العربي, هؤلاء الكبار الذين تُسفه شهادتهم وتلوث سمعتهم وتلطخ صفحات نضالهم، (كما هو مطلوب منك) من الثوار في سوريا الى الشهداء والمقاومين "الحقيقيين" في لبنان.. وحتى الى الربيع العربي الذي رأيت فيه جحيماً عليهم، وسماء على الأبطال!(وهو كذلك). ولم تعد تنفعك شفاعة. فمن كان يشفع بك، صار يحتاج الى من يشفع به. ومن كان يساعدك .. على اهلك، بات يحتاج الى من يساعده على نهاياته! واخيراً لم يعد ينفعك لا "تقمص" دور "الشهيد الحي" ولا تلبس أدوار "المقاومة" والممانعة. ذلك، لأنك، صرت جزءاً من تهويمات، ومن كلمات النهايات، ومن مناديل الوداعات الأخيرة!
اقترب زمن افولكم يا ميشال، وأفول عهود الطغاة! وبشائر الربيع الكبير، هلت، من دماء شهداء سوريا ولبنان ورفيق الحريري وشهداء الأرز... وصولاً إلى الكبير، إلى البطل، وسام الحسن!