العدو الحميم

 

حين كان قطاع غزّة ، خلال حرب 2008، منخرطاً بشكل كامل في المشروع الإيراني، وكانت "حماس"  و"الجهاد" جزءاً لا يتجزّأ من "محور الممانعة والمقاومة "، أصدر "الوليّ الفقيه" خامنئي فتوى حرّم فيها على الإيرانيّين المشاركة في القتال إلى جانب الفلسطينيّين، واكتفت إيران بصواريخ كلام ورسائل حَمَام .

 

وحَذَا نظام الأسد و"حزب الله" حذو المرشد الأعلى، فغطّيا تخاذلهما بوابل من رشقات التصريحات والتعاطف اللفظي، ومتابعة المباراة الدامية عبر الشاشات، تحت ألف حجّة وحجّة.

 

المحاولة اليتيمة التي جرى تظهيرُها كخطوة لمساندة غزّة، كانت خليّة "حزب الله" التي تمّ ضبطها في مصر، وتبيّن أنّ هدفها الفعلي زعزعة الأمن المصري، في إطار تمدّد "القوس الإيراني" في العمق العربي، وليس تقديم العون إلى غزّة.

 

واليوم، وبعد خروج القطاع على النفوذ الإيراني ووصاية النظام السوري، ماذا ينتظر الفلسطينيّون غير سيل الكلام، وقدّ المراجل، من المثلّث: طهران- دمشق- الضاحية؟

وقد بدأت التبريرات باكراً: فدمشق منشغلة في مأزقها، وإيران في مواجهة كبرى لأزمة العقوبات، و"حزب الله" منهمك في معراب، والدفاع عن حكومته، ولملمة ملفّات فساده وانكشاف خطابه...

 

لم يكن العرب والعالم في حاجة إلى حرب جديدة في غزّة، كي يتبيّنوا حقيقة "العداء" بين "محور الممانعة والمقاومة" وإسرائيل.

 

منذ "إيران- غيت" إلى اليوم، هناك تقاطع أدوار ومصالح، بين العدوّيْن "الحميميْن" إيران وإسرائيل. في هدير الحرب وتهديدات التدمير والإلغاء، تجري مياه كثيرة تحت جسورهما، لتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط والعالم العربي.

 

وبالتأكيد، هما لا ترتاحان إلى انتعاش مصر وحضورها في غزّة، وإلى مآلات الربيع العربي ويقظة العرب. فالتحوّل إلى الديمقراطيّة والحريّات يُقلقهما: لأنّه، من جهة، نقيض الديكتاتوريّة الإيرانيّة، ومن جهة ثانية، هو كسر لاستثنائيّة إسرائيل في الديمقراطيّة أمام العالم.

 

أليس الثمن الذي يدفعه لبنان منذ 40 عاماً، هو بسبب هذا "الإستثناء الديمقراطي"، ولو الأعرج؟!

 

فليس غريباً أن تتناوب إسرائيل وإيران، عبر النظام السوري ومعه، على تدمير لبنان، ذهاباً وإياباً.

 

وهل هناك بعدُ أدنى شكّ، في أنّ إسرائيل تريد إيران و"حزب الله" والأسد أقوياء، إلى الحدّ الذي يخدم مشروعها في مواجهة العرب، واستطراداً الحالة السنّية؟.

 

وخلافاً لكلّ المظاهر وضجيج التحدّيات وأوصاف "النصر الإلهي"، لم تكن حرب تمّوز 2006 سوى وجه من وجوه العلاقة بين الأعداء - الأصدقاء الأربعة.

 

وهل "إستقرار" الجنوب منذ سنوات، في حالته الجولانيّة، غير ثمرة من ثمار الحرب المبرمجة، وساحة تلاقٍ لمصالح طرفَيْ الجبهة؟.

 

سنسمع بعد، الكثير من الحروب الهوائيّة على غرار هوائيّة الطائرة "أيّوب"، والكثير من الحملات في الداخل اللبناني ودخان خطابات نصرالله، لتغطية عمق الإرتباط بين الأطراف الأربعة.

 

فإسرائيل تشكّل القماشة الخلفيّة لهذا التحالف الجحيمي. ولا مبالغة في القول إنّها شريك فعلي في "جبهة الممانعة والمقاومة "!.

 

وإذا حصل خطأ حسابي بين الشركاء، وتصادموا، فإنّهم يُدركون حدود ملعبهم، ويوظّفون الصدام للمصلحة المشتركة. بل هم قادرون على الصدام المحسوب من أجل الهدف المطلوب.

 

قبل سقوط بشّار الأسد تتكشّف أمور خطيرة، فكيف بعد سقوطه؟

 

وقبل انهيار نظام الملالي في إيران، بدأت تتوضّح خيوط العنكبوت، فكيف بعد انهياره؟

 

وقبل اصطدام "حزب الله" بحقائق لبنان، يتهافت خطابه وتبهت صورته، فكيف بعد الإصطدام؟

 

في التاريخ، لم ينشأ تحالف سرّي أو غير طبيعي، إلاّ وانكشف، فانهار.

 

العالم لا تديره دائماً الأيدي السوداء من تحت الطاولة، وشبكات المؤامرات. فالسياسة الصريحة المعلنة أسلم وأبقى.

 

ولعبة "العدوّ الحميم" ليست نموذجاً قابلاً للحياة والإستمرار، في العلاقات بين الأمم.


#

فضل شاكر

المزيد