هكذا ستجتاح إسرائيل غزّة... وهكذا سيدافع الفلسطينيّون!
هكذا ستجتاح إسرائيل غزّة... وهكذا سيدافع الفلسطينيّون!

ناجي س. البستاني

موقع النشرة

لا يمكن لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وقف العمليّات العسكريّة في غزّة، من دون الحصول على ضمانات بوقف إطلاق الصواريخ الفلسطينيّة ضمن هدنة طويلة، برعاية دوليّة. فالصواريخ طالت المستعمرات الإسرائيليّة القريبة والبعيدة من القطاع، وبلغت تل أبيب والقدس. ولم تنجح مئات الغارات التي نفّذها الطيران الإسرائيلي في خلال الساعات والأيّام الأولى من عمليّة "عمود السحاب"، في تدمير كامل منصّات إطلاق الصواريخ ومخازنها. وهذا أمر مستحيل أساساً من الناحية العملانية، خاصة بعد الخبرات المتراكمة التي كسبتها المقاومة الفلسطينيّة بعد حرب الثلاثة والعشرين يوماً في نهاية العام 2008 وبداية العام 2009، وبعد الخلاصات التي إستنتجتها من نتائج عدوان تمّوز 2006 على لبنان. كما أنّ نظام الصواريخ الإعتراضية الذي أُطلق عليه إسم "القبّة الحديديّة"، لم ينجح في إعتراض سوى ثلث الصواريخ الفلسطينية في الجوّ، حيث بيّنت الإحصاءات أنّ صاروخاً فلسطينياً واحداً من كل ثلاثة صواريخ دُمّر في الجوّ قبل الوصول إلى هدفه الأرضي! وبالتالي إنّ التسرّع بوقف المعركة اليوم، وفق المعطيات الحالية ومن دون إتفاق هدنة جدّي وفعّال، يعني أنّ نتانياهو أقرّ بهزيمته الميدانية، وكذلك بهزيمته الإنتخابية لا محالة بعد بضعة أشهر، وهذا ما سيحاول تفاديه مهما لزم الأمر!

من هنا، تُمارس الدبلوماسية الإسرائيلية ضغوطاً غير معلنة على الساحة الدولية، بهدف حمل الولايات المتحدة الأميركية للتدخّل في الأزمة، على أمل التوصّل مع القيادة المصريّة الجديدة، بما لها من ثقل لدى قيادة حماس، لإيجاد مخرج سياسي، يرضي الجانبين، يتمثّل في الحصول على تعهّد متبادل بوقف الغارات الإسرائيلية في مقابل وقف الصواريخ الفلسطينيّة، وذلك لفترة لا بأس بها من الوقت يتم تحديدها في المفاوضات غير المباشرة، لكنها تتجاوز بالتأكيد مرحلة الإنتخابات الإسرائيلية. وفي حال فشل كل الضغوط الأميركية والأوروبية والعربيّة على القيادات الفلسطينيّة في غزّة، لجهة التعهّد بوقف إطلاق الصواريخ في مقابل وقف الغارات الإسرائيلية، فإنّ مسألة حصول هجوم برّي محسومة، بغض النظر عن نجاحه أم لا، وبغضّ النظر عن الخسائر المرتقبة في صفوف الجيش الإسرائيلي والتي تقدّر بسقوط ما بين 100 قتيل إلى 150 قتيلاً. ولا شكّ أنّ مسألة إستدعاء الحكومة الإسرائيلية لنحو 75000 عنصر من وحدات الإحتياط هو دليل واضح على النيّة الإسرائيلية التي تتجاوز مسألة المناورة. وللتذكير، خلال الإجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، تمّ حشد مئة ألف جندي إسرائيلي. وهنا إشارة إلى أنّ وحدات الإحتياط لا تلعب دور "رأس الحربة" في أي هجوم، حيث أنّ الوحدات التي ستتقدّم هي القوات الخاصة الإسرائيلية، ومنها لواء المظلّيين الخفيف والسريع الحركة والمزوّد باحدث المعدّات العسكرية، ولواء "غولاني" الذي يصنّف ضمن نخبة ألوية المشاة الإسرائيليّة، وسريّة "مغلان" المتخصّصة بالعمل في بيئة معادية والمدرّبة على تعطيل صواريخ أرض - أرض، وسريّة "ياهالوم" المتخصّصة في تدمير الأنفاق ومخازن الأسلحة، إلخ. ويقتصر دور قوى الإحتياط على تعبئة الفراغات التي يحدثها تحرّك قوّات النخبة والألوية المدرّعة.
وفي حال الوصول إلى مرحلة الإجتياح البرّي في غزّة، فإنّ الجيش الإسرائيلي سيعتمد سياسة الأرض المحروقة، لجهة فتح ممرّات جغرافيّة محدّدة أمام الوحدات المدرّعة المتقدّمة، من خلال قصف جوّي وبرّي عنيف على المسارات المرسومة سلفاً. وتقضي الخطّة الإسرائيلية بتقسيم مناطق السيطرة الفلسطينية في غزّة إلى أجزاء صغيرة ومعزولة، شبيهة بمربّعات سكنيّة محاصرة، لتصبح عندها مفتقرة للدعم اللوجستي من الخارج، ليس بالسلاح والذخيرة فقط، بل بالمؤن الغذائية وبمستلزمات الحياة الأساسية. وتأمل القيادة الإسرائيلية أن تؤدّي سياسة تقسيم غزّة إلى مناطق معزولة، إلى تراجع القدرة الفلسطينية على المقاومة والصمود إلى الحد الأدنى، خاصة من خلال وقف الإمدادات. وستتركّز الهجمات الإسرائيلية على المناطق القليلة في غزّة التي لا تزال تتمتّع بمساحات خضراء وزراعية، لأنها تُعتمد مواقع أساسية لإطلاق الصواريخ الفلسطينيّة. وستتجنّب خطة الهجوم الإسرائيليّة الدخول إلى الأحياء الفرعيّة في غزّة، بهدف الحد من الإصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي قدر المستطاع.
في المقابل، في حال الوصول إلى مرحلة الإجتياح البرّي، سيعتمد الفلسطينيّون سياسة قتالية دفاعية تراجعيّة. بمعنى آخر، لا أهمّية لأي موقع أو مركز أو شارع للإحتفاظ به، بل المهمّ هو إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشريّة في صفوف القوات المعادية. من هنا، سيتوزّع المقاتلون الفلسطينيّون على مجموعات صغيرة مستقلّة ميدانياً عن بعضها بعض، ومهمّتها واضحة، تفجير ما تيسّر من عبوات ناسفة بالدبابات المهاجمة، وإطلاق الصواريخ المضادة للدروع التي بحوزتها على المدرعات المهاجمة، قبل الإنسحاب عبر أنفاق وممرّات سرّية وأزقّة ضيّقة لا يمكن للقوى المهاجمة دخولها بسهولة، والتمركز في مواقع دفاعية خلفيّة جديدة. وبالتالي، الأهداف الفلسطينية تقتصر على إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشريّة في وحدات الجيش الإسرائيلي المهاجمة، إضافة إلى تأخير الهجوم البرّي قدر المستطاع، بالتزامن مع السعي للإستمرار في إطلاق أكبر عدد ممكن من الصواريخ على المستعمرات. وتسمح هذه السياسة، في تصاعد النقمة الشعبيّة الداخلية في إسرائيل، في حال تراكم أعداد القتلى في صفوف الجيش والمدنيّين على السواء، وكذلك في تصاعد الضغوط الدوليّة على إسرائيل لوقف هجومها.
في الخلاصة، ما لم تنجح الضغوط والتدخّلات الدولية في الوصول إلى هدنة فعليّة بين الفلسطينيّين والإسرائيليين، فإنّ خيار الهجوم البرّي حتمي. ومدّته وحجمه رهن بقدرة المقاومة الفلسطينية على الصمود، وكذلك بحجم الأذى التي ستلحقه هذه المقاومة بالإسرائيليّين، عسكريّين ومدنيّين، إضافة طبعاً إلى مدى التغاضي الذي ستمارسه دول العالم إزاء حجم الإصابات المرتفع المتوقّع في صفوف المدنيّين الفلسطينيّين بفعل الهجمة الإسرائيلية الشرسة المفتوحة. ويبقى السؤال: هل ستبقى غزة وحدها في المعركة؟


#

فضل شاكر

المزيد