الجمهورية: لغز اختفاء جهاد مقدسي
الجمهورية: لغز اختفاء جهاد مقدسي

كتبت "الجمهورية": منذ عام ونصف العام نقل جهاد مقدسي عائلته إلى بيروت إثر إقفال السفير الأميركي في سوريا روبرت فورد المدرسة الأميركية في دمشق، وذلك بهدف نقل أولاده إلى المدرسة الأميركية في عين المريسة، فأقامت عائلته في الأشرفية، وكان يزورها مرة كل شهر.

في المدة الأخيرة وبعدما ازداد الوضع الأمني خطورة في سوريا، انتقل جهاد مقدسي للإقامة في احد فنادق في الشام، تاركاً منزله في منطقة القصاع التي تبعد مئات الأمتار عن ساحة العباسيين، بعدما تلقى تهديدات عدّة على هاتفه النقال من أرقام عربية، وعبر Facebook، بأنّه مستهدف، ورصدت حركته بكاملها الى درجة القلق، ثم ما لبث مقدسي أن زاد من وتيرة زياراته لبيروت، حتى أصبحت ثابتة من الخميس إلى الأحد من كل اسبوع. وقدمت له السفارة السورية في بيروت تسهيلات في موضوع النقل.

كان مقدسي يتردّد دائماً مع زوجته وبعض الأصدقاء الذين لا يتجاوزون عدد أصابع اليد، إلى مقاهي ABC الأشرفية، ومطعم "الساحة" والـ movenpick، ومطاعم جبليّة في المتن، و معروف عنه انه لا يوسع دائرة علاقاته.

وفي المدة الأخيرة كان يتحدث أمام أصدقائه عن معاناته مع فريق العمل في وزارة الخارجية السورية، ولكنه دائماً كان يبدي تعلقه واعجابه بالرئيس بشار الأسد وطريقة تفكيره وقدرته على تحمّل المصاعب الداخلية والخارجية.

ويروي أصدقاءٌ لمقدسي في سوريا أنه على علاقة سيئة مع المسؤولة الإعلامية في القصر الرئاسي لونا الشبل بسبب تصرفاتها "التي تتسم دائماً بالفوقية والعنجهية" على حدّ قولهم.

وحتى الشهر الماضي سُجّل لمقدسي اندفاعه في العمل وإجراء المقابلات التلفزيونية من بيروت ومن سوريا، لكن هذا النشاط تراجع في الأسابيع الماضية وعندما كان يطلب منه صحافيون "حديثاً"، يقول: "اليوم الكلمة للميدان وليس للديبلوماسية".

وعلى هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة عقد مقدسي لقاءً مع أبناء الجالية السورية في واشنطن في حضور السفير بشار الجعفري، قدم خلاله مداخلات قوية وصفها المشاركون بأنّها "مقنعة" في معرض دفاعه عن النظام السوري، وبعد انتهاء اعمال الجمعية، بقي مقدسي في الولايات المتحدة الأميركية وأمضى مع زوجته غزل أياماً خارج مهام البعثة الديبلوماسية السورية، وقال حينها "إنها أيّام للسياحة".

لكن السلطات السورية تدقّق الآن في ما إذا كان مقدسي تواصل مع دوائر ديبلوماسية غربية، خصوصاً أن مهامّه السابقة في السفارة السورية في لندن كمسؤول إعلامي، فتحت له باب علاقات واسعة.

في الأيام الأخيرة قبل "اختفائه" أسرّ مقدسي لأحد أصدقائه انه ينوي تقديم طلب إجازة من دون راتب لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر، مثلما فعل عدد من زملائه الديبلوماسيين في الخارجية السورية، فكان يشكو من قلة اهتمام النظام بوضعه أمنياً ومالياً في ظل ضغوط نفسية وأمنية يتعرض لها ،علماً أنه كان يزور قصر الرئاسة مرة تقريباً في كل اسبوع ويلتقي الرئيس بشار الأسد على انفراد، ويشارك أيضاً في لقاءات موسعة يعقدها الأسد مع موفدين دوليين وإقليميين، إضافة إلى زياراته لطهران وموسكو في عداد وفد وزارة الخارجية، ما يعني انه حظي بثقة مميزة لدى القيادة السورية، حتى أتى خبر اعفائه أو انشقاقه أو اعتكافه مفاجأة للقريب والبعيد، خصوصاً انه اختفى ولا أحد يعرف عنه شيئاً.

اسبوع الإختفاء

مساء الخميس 29 تشرين الثاني، ارتاد مقدسي مع عائلته وأصدقاء لهم مطعماً في برمانا، وفي اليوم التالي شوهد نهاراً مع ولديه جاد (10 سنوات) وجو(8 سنوات) في ABC الأشرفية، وكانت هذه المرة الاخيرة التي يظهر فيها قبل ان يتوارى عن الانظار ويتوقف عن الرد على هاتفه...

في سوريا اعتاد فريق الخارجية على غياب جهاد اسبوعياً من الخميس حتى صباح الأحد مع إبقاء التواصل معه هاتفياً والكترونياً حول كل شاردة وواردة، لكن في ذلك الاسبوع سُجِّل انقطاع في الشبكات الخلوية والانترنت في سوريا حتى يوم الاحد، وعندما تأخر مقدسي عن عمله، حاول فريقه الإعلامي الاتصال به، لكن خطّه السوري كان يرن من دون أن يجيب طوال النهار.

ويوم الاثنين اتصل به مكتب الرئيس السوري ليستدعيه إلى اجتماع مع الرئيس الاسد في القصر الرئاسي... لكن هاتفه رنّ ولم يجب، وفي ساعات الظهر الأولى تسربت أخبار من مصدر نافذ في القصر الجمهوري السوري على خصومة مع مقدسي يعلن أنه انشقّ، وترافق هذا الخبر مع معلومات عن إنشقاقه أوردها بعض المواقع الالكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي. وأمام سرعة تناقل الخبر سرّب مصدر في الخارجية السورية أن مقدسي أُعفي من مهامّه لأنه خرج عن النص مرات عدة.

اللافت في هذا الأمر انه في بداية الامر لم يصدر اي بيان رسمي عن الخارجية ولا عن اي جهة رسمية أخرى، لا بالإعفاء ولا بالإقالة، على عكس حالات الانشقاق التي تحصل في سوريا، حتى الأمس، اي بعد اسبوعين من اختفائه، اذ اعلن نائب وزير الخارجية فيصل المقداد ان مقدسي موجودٌ في بيروت في اجازة لمدة 3 اشهر.

وعلمت "الجمهورية" انه وُجد على مكتب مقدسي في الخارجية السورية، طلب إجازة بلا راتب لم يعلن عنها في البداية، وقد تمّ إبلاغ الأسد بها حصرياً، ولاحقاً أعطى الأسد إشارة لوزير الخارجية وليد المعلم بالموافقة عليها، في وقت كانت تُرَوّج معلومات عن قرار يقضي بتعيين لونا الشبل مكان مقدسي، إضافة إلى استمرارها في مهمتها كرئيسة لدائرة الإعلام في رئاسة الجمهورية.

لم يُحرَق منزل مقدسي مثلما تردد، ولم يتعرّض له من يُسمَّون "الشبيحة" في سوريا، لا عبر المواقع الالكترونية، ولا بمهاجمة منزله أو أقاربه مثلما كان يحصل مع آخرين... في وقت ترددت معلومات عن أن "مقدسي" هو تحت الإقامة الجبرية في سوريا نتيجة تصريحات أدلى بها منذ خمسة اشهر حول الاسلحة الكيمياوية والتي فتحت المجال للخارج باستعمال "الذريعة الكيماوية" لتوريط سوريا، علماً انّ مقدسي اذاع يومها بياناً مكتوباً... ولماذا لم يعف عنه في حينه؟؟

مقرّبون جداً من مقدسي يجزمون بأنهم لا يعرفون شيئاً عنه، ولا عن مكان وجوده، حتى ان عائلته ابتعدت عن الأضواء، ولم يصدر عنها أيّ موقف سوى الجملة التي أوردها شقيقه سامي على موقع الـ Facebook، أن "أخي... لم ينشق".