عباس ضاهر
موقع النشرة
لم تكن خطوة قوى "14 آذار" حول الموافقة على العودة إلى حضن اللجنة الفرعية النيابية عابرة من دون دلالات، ولو أنها جاءت بعد تسوية أفضت إلى اعتماد الفندق القريب من المجلس النيابي في ساحة النجمة مكاناً للسكن.
لكن التفصيل في المشهد يؤكد أن قوى "14 آذار" وصلت إلى استنتاج مفاده أن الحجج الأمنية لم تعد تبرر الغياب ومقاطعة البحث في شأن قانون الانتخابات.
كبرت الحملة على "14 آذار" بطريقة غير مباشرة حول قانون الانتخابات، إلى حد أصبحت فيه مثلاً عظات البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي تركز على ضرورة العمل لاعتماد قانون جديد "لأن قانون الستين من أساس نزاعاتنا"، بينما تطمح شخصيات تنتمي إلى مسيحيي "14 آذار" لاعتماد قانون آخر لاعتبارات شخصية انتخابية، إضافة إلى أن الجو المسيحي العام يدرك أن قانون الستين ظالم بحق التمثيل المسيحي.
ومن هنا، أدرك نواب "14 آذار" أن مقاطعة جلسات المجلس حول قانون الانتخابات تارة بحجة مقاطعة الحكومة وتارة بحجة الأمن تلحق الضرر معنويا الآن بتموضعاتهم السياسية، ولاحقا ستؤثر على الاقتراع في الانتخابات النيابية عند المستقلين أو غير الحزبيين عند المسيحيين.
لكن الأخطر في حسابات قوى "14 آذار" إدراكهم أن المقاطعة الآن قد تؤدي إلى تطيير الانتخابات في حزيران المقبل إلى أمد لا تحدده إلا التسوية.
وهنا لن تستفيد إلا الحكومة، حيث يصبح البلد من دون مجلس نيابي فيمتد عمر الحكومة، ويحكم نجيب ميقاتي بقوة الدستور، وهو ما لا يناسب قوى المعارضة على الإطلاق، علما أن التوجهات الدولية هي نحو إتمام المحطات الدستورية اللبنانية في موعدها، دون الخوض الآن بالتفاصيل بانتظار معرفة مسار الأزمة السورية.
إلى ذلك، وبعد دراسة وبحث، قررت قوى "14 آذار" عدم قطع "شعرة معاوية" مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وهي تعلم أن بري مفتاح الحل لأي تسوية مع قوى "8 آذار" والوسطيين أيضاً، خصوصاً أن رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط أصر على وسطيته وأعلن انحيازه الكامل إلى جانب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بينما فضّل رئيس الجمهورية ميشال سليمان البقاء على مسافة واحدة من كل الفرقاء، ما يعني أن لا حل إلا بالتسوية، وحصولها رهن خطوات مطلوبة تبدأ بالتواصل مع بري – وهو ما حصل- لتمهيد الأجواء إلى اتفاق يجزم المطلعون على أنه لن يكون بالمفرق، وإنما تشترط الأكثرية على أن يكون سلة واحدة من قانون الانتخابات إلى حكومة تشرف عليها، إلى ما هو أبعد في الاتفاق على عناوين ما بعد الانتخابات (الحصص والرئاسات).
لكن ما يؤخر الذهاب إلى مشاريع التسوية الداخلية هي العناوين الخارجية وخصوصا أحداث سوريا. فأصبحت المعادلة: إذا أردت أن تعرف ماذا يجري في بيروت يجب أن تعرف ماذا يجري في دمشق؟.
ومن هذه المعادلة، يبني الفرقاء في لبنان حساباتهم، لكن معظمهم يراهن ضمناً على أن التسوية الدولية قادمة من موسكو وواشنطن إلى الشام قبل موعد الانتخابات النيابية اللبنانية، وبعضهم يهمس سراً "سننتظر شهر آذار". لكن الخلاف الضمني ما بين 8 و 14 آذار يتمحور حتى الآن حول جوهر التسوية الدولية: ماذا عن مصير الرئيس السوري بشار الأسد؟ وما هي نتائجه في لبنان؟
لكن سياسياً عتيقاً يقلب المشهد بقوله أن سوريا ستصبح شبيهة لبنان، لا غالب فيها ولا مغلوب، ستوزّع سلطاتها وتوسّع صلاحيات وزاراتها، ولن يكسر فيها شرق غرباً ولا غرب شرقاً، لأننا وصلنا إلى مرحلة الكل فيها موجود، ما يكرس معادلة التسوية اللبنانية في ظل المعادلة السورية.
غير أن السياسي العتيق يفكر: إذا كانت سوريا بعد "الطائف" وصية على فرض الاتفاق في لبنان، من سيكون الوصي على لبنان وسوريا؟