إميل خوري
النهار
غالباً ما تنعكس صورة الوضع في الداخل والخارج على تأليف الحكومات في لبنان، خصوصاً مع عدم اتفاق الزعماء على تحييد لبنان عن الصراعات العربية الاقليمية والدولية في المنطقة لتبقى أرضه ساحة لها...
في الماضي كان تأليف الحكومات سهلاً ولا يمرّ بتعقيدات كالتي يمرّ بها حالياً لأن رئيس الجمهورية كان يسمي رئيس الحكومة ثم يعين الوزراء بالاتفاق معه ومع الاحزاب والكتل النيابية التي تتألف منها الأكثرية الموالية وتأخذ الأقلية مكانها في المعارضة أي أن الحكم كله كان لرئيس الجمهورية بالتعاون مع رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة والوزراء أي حكم من يفوز بأكثرية المقاعد النيابية التي لرئيس الجمهورية حصة كبيرة فيها.
ولم يكن ثمة تنافس يبلغ حدّ الخلاف على تسمية الوزراء والحقائب لأن الكلمة الفصل في الموضوع كانت لرئيس الجمهورية أولاً ولرئيس الحكومة ثانياً، وعندما يكون موقفهما متعارضاَ فان رئيس الحكومة المكلف كان يعتذر ليفسح في المجال أمام تمسية رئيس آخر سواه.
وظلّ هذا الوضع سائداً في لبنان منذ العام 1943 حتى العام 1970 مع تراجع تدريجي في سلطة الرئيس الاول ولم يكن لنفوذ الخارج في لبنان تدخل إلا في انتخابات رئاسة الجمهورية، لأن الخارج الذي كان يرتاح الى وصول رئيس من خطه السياسي، لا يعود يهتم التفاصيل في ما يتعلق بالحكومة لأن الرئيس كانت له اليد الطولى في تأليفها ولأنه يملك ولاء رئيس المجلس ورئيس الحكومة وغالبية النواب.
وبعد المصادقة على دستور الطائف وانتقال السلطة الاجرائية الى مجلس الوزراء مجتمعاً، باتت تسمية رئيس الحكومة خاضعة لنتائج استشارات نيابية ملزمة، وبات على الرئيس المكلف ان يرضي الكتل والاحزاب التي تتألف منها الأكثرية فأما أنه يتوصل الى ذلك وينجح في عملية التأليف أو لا ينجح، فيعتذر. ولا يكفي من جهة أخرى أن يتفق رئيس الحكومة المكلف مع الاحزاب والكتل على هذه العملية، بل ان لرئيس الجمهورية الذين خسر حق تسمية رئيس الحكومة والوزراء، حق الموافقة او عدم الموافقة على التشكيلة الوزارية التي تعرض عليه، وهذا من شأنه ان يزيد عملية التأليف تعقيداً خصوصاً اذا كان الانسجام مفقوداً بين الاطراف المعنيين وتحديداً بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف، عدا ان للخارج القريب والبعيد تأثيراً فيها لأن السلطة الاجرائية لم تعد محصورة برئيس الجمهورية كي يقتصر اهتمام هذا الخارج على انتخابات الرئيس، بل انتقلت الى مجلس الوزراء مجتمعاً وبات الخارج يهتم بتسمية رئيس الحكومة والوزراء بقدر اهتمامه بانتخابات رئاسة الجمهورية.
إذاً لم يكن في زمن الوصاية السورية على لبنان مشكلة في تأليف الحكومات فلأن تلك الوصاية كانت هي التي تتولى عملية التأليف ولا تهتم بمن يرضى أو لا يرضى بها، لكن هذه العملية باتت معقدة بعد انتهاء زمن الوصاية لأنه ظل لسوريا ولغير سوريا تأثير عند تأليف الحكومات. فمنذ العام 2005 الى اليوم كانت سوريا تأمل في أن تفوز قوى 8 آذار الحليفة لها بأكثرية المقاعد النيابية فيكون لها الحكم. ولكن الفوز كان لقوى 14 آذار فاشترطت للقبول برئيس للحكومة من هذه القوى هو فؤاد السنيورة وان يكون لقوى 8 آذار الثلث المعطل فيها وذلك بحجة تحقيق "الشركة الوطنية" التي تحول دون استئثار الاكثرية باتخاذ القرارات المهمة ولا سيما ما يتعلق منها بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان لمعرفة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه. وعندما فازت قوى 14 آذار مرة أخرى بالأكثرية النيابية في انتخابات 2009 وافقت سوريا على ان يكلف النائب سعد الحريري باعتباره رئيس أكبر كتلة نيابية تشكيل الحكومة فترضي بموقفها هذا السعودية ايضاً على أن تأخذ في المقابل الثلث المعطل لحلفائها في قوى 8 آذار. وقد اثبتت تجارب تشكيل الحكومات التي تجمع الاضداد أي وزراء من 8 و14 آذار أنها حكومات غير منتجة وان الأقلية فيها هي التي تحكم الأكثرية، ولكي يكون في الامكان جمع هؤلاء الاضداد لكن لا بد من التدخل لتسوية الخلاف حول المحكمة وحول سلاح "حزب الله" فتم التوصل اليها باعلان القبول بالمحكمة في البيان الوزاري مقابل ايراد عبارة، "الجيش والشعب والمقاومة" فيه ، لكن ظهر أن قبول كل من الطرفين بهذه التسوية أو المعادلة كان خدعة أو مجاملة من أجل تسهيل عملية التأليف التي تريدها سوريا والسعودية. وعندما دقت ساعة الحقيقة بالنسبة الى المحكمة وكانت سوريا تأمل في أن تتم التسوية حولها على يد الرئيس الحريري لأن ذلك اسهل من ان تتم على يد سواه، انفجرت الحكومة من الداخل باستقالة وزراء قوى 8 آذار منها كونهم يشكلون أكثر من الثلث، بعد ان رفض الرئيس الحريري التسوية المقترحة حول موضوع المحكمة فتقرر عندئذ عدم تسميته في الاستشارات بعد تحويل نواب قوى 8 آذار أكثرية وجعل النائب جنبلاط ومن معه والرئيس ميقاتي ومن معه ينتقلون الى هذه القوى لتصبح أكثرية وتسمي ميقاتي رئيساً.
وهكذا بدا واضحاً للجميع أن سوريا نجحت في الرد على موقف الحريري ومن معه بما فيها السعودية ضمناً بتحويل اكثرية قوى 14 آذار أقلية، وان السين السورية اصبحت في مكان والسين السعودية في مكان آخر. ولكي يصير في الامكان اعادة جمع السين – سين، لا بد من تشكيل حكومة يكون الثلث فيها لقوى 14 آذار بعدما اصبحت أقلية ورئاسة الحكومة ومعها الثلثان تكون للأكثرية التي انتقلت الى قوى 8 آذار. لكن ما قبلت به السعودية عندما كانت قوى 14 آذار تملك الأكثرية لم يقبل به حلفاء سوريا في قوى 8 آذار اذ اصروا على تشكيل حكومة من الأكثرية الجديدة وان من لون واحد وهو ما سماه العماد ميشال عون بسلطة "خس" من دون بندوره إذا لم تكن موجودة. وهو ما فعله عندما استمر مترئساً حكومة من ضباط مسيحيين بعدما استقال منها الضباط المسلمون فكانت حكومة "الخس" بدون بندوة وصار في البلاد حكومتان، حكومة الرئيس الحص ونصف حكومة لعون...
ولكي تبدي أكثرية قوى 8 آذار الجديدة مرونة في التعامل مع قوى 14 آذار وتقابلها بالمثل عندما كانت الأكثرية لهذه القوى باعطائها "الثلث المعطل"، اشترطت لقبول اشراكها في الحكومة الموافقة على انسحاب لبنان من المحكمة الدولية، اي القبول بالتسوية التي كان الرئيس الحريري قد رفضها فدفع ثمن ذلك ابعاده عن رئاسة الحكومة.
والسؤال المطروح الآن هو: أي حكومة ستتألف؟ هل تكون حكومة اللون الواحد، وهي مرفوضة من رئيس الجمهورية ومن الرئيس المكلف ميقاتي لأنها ستكون حكومة مواجهة وتحد، هل تكون حكومة مختلطة من سياسيين وتكنوقراط فيما العماد ميشال عون يصر على ان يكون له فيها أكثر من الثلث؟ هل تكون حكومة تكنوقراط بجميع اعضائها حتى وإن تعرضت لخطر حجب الثقة عنها، لأنها تكون وحدها حكومة عمل وانتاج وغير كيدية؟
الواقع ان التطورات المتسارعة في المنطقة قد تنعكس على عملية التأليف، فاذا جاءت هذه التطورات لمصلحة المحور الايراني – السوري، فالحكومة تكون حكومة اللون الواحد مطعمة بتكنوقراط تحدد التطورات والمتغيرات عمرها. أما اذا جاءت في غير مصلحة هذا المحور فالحكومة تكون عندئذ حكومة تكنوقراط أو حكومة تتمثل فيها قوى 8 و14 آذار على أساس تكرار ما جاء في البيانات الوزارية السابقة بالنسبة الى المحكمة وسلاح "حزب الله" اي العودة الى معادلة والسين – سين" مع تسوية معدلة.