إتفقوا على التأجيل والتمديد كي لا نصل إلى المجهول

دافيد عيسى

Lebanon Files

قبل عام واكثر تقريباً، وكنت يومها ضيفاً على شاشة ( MTV ) مع الاعلامي انطوان سعد قلت رأيي في موضوع الانتخابات والتمديد لرئيس الجمهورية مؤكداً انها لن تحصل وان التمديد سيكون خياراً اضطرارياً. وبعد هذا الحديث انهالت الاتصالات علي من سياسيين اصدقاء اكثرهم استغرب تسرعي في الحكم على التطورات المقبلة . وجاءت الوقائع والاحداث لتثبت صحة رأيي وأن الانتخابات باتت الآن فعلاً في حكم المؤجلة ولكن الإعلان عن ذلك ينتظر التوقيت والإخراج المناسبين ، بعد الاتفاق على مرحلة ما بعد التأجيل .

رغم توقيع رئيس الجمهورية ميشال سليمان على مرسوم دعوة الهيئات الناخبة قبل 9 آذار الجاري وفقاً للاصول الدستورية وبعيداً عن شكل القانون الحالي الذي يرفضه ايضاً رئيس الجمهورية حسب مصادره. إلا أنه حان الأوان لوضع حد لمسرحية "قانون الانتخابات" من قبل السياسيين اللاعبين على مسرحها، الذين يمارسون ويتقنون فن التضليل والتمويه والمناورة مظهرين من جهة حرصاً شديداً على الانتخابات وإجرائها في موعدها وعاملين من جهة ثانية إلى تعقيد ظروف الانتخابات والمماطلة في إصدار قانون جديد لها ... والسؤال البديهي هو لماذا لا يملك السياسيون الجرأة على مصارحة الناس والرأي العام بحقيقة الوضع وبأنه لا انتخابات في القريب العاجل ؟

لم نفاجأ بما آل إليه مصير الانتخابات حيث الكل يناور على الكل ، وما يُعلن غير ما يُضمر ، والتصرفات تعاكس المواقف ، لدرجة بدا واضحاً ان لا نية ولا إرادة بالتوصل إلى قانون جديد ، ولو كان الأمر عكس ذلك لكان تم التوصل إليه منذ زمن بدل حشره في زاوية " ربع الساعة الأخير". فهل يعقل ان ننجز قانون انتخابي في غضون أيام وأسابيع . في حين عجزنا عن ذلك مع كل الحكومات المتعاقبة منذ العام 2009 تاريخ انتهاء آخر انتخابات نيابية .

كل ما كان يجري ولا يزال ينبىء بأن السياسيين يراوغون ويكذبون ويماطلون ولا يعملون للانتخابات ولا يريدونها ، ولكنهم لا يصارحون الناس بالحقيقة وبأن الانتخابات سائرة إلى أكثر من تأجيل تقني ، واقع الحال يفيد انه لا إمكانية لحصول توافق على قانون جديد وان الامور تدفع دفعاً باتحاه عدم إجراء الانتخابات...

وفي اعتقادنا ان سببين رئيسيين يدفعان باتجاه عدم اجراء " الانتخابات " :

- السبب الأول خارجي ويتصل بالتطورات الجارية في سوريا والتي ترتد سلباً على لبنان وتوسع الشرخ والانقسام بين اللبنانيين . منذ بداية الاحداث في سوريا كان معروفاً ان الازمة ستكون طويلة وان الصراع سيكون عنيفاً ومدمراً خصوصاً ان أيا من طرفي الصراع النظام والمعارضة ليس قادراً على حسم الوضع سياسياً أو عسكرياً . ولأن الوضع في سوريا إلى تأزم سياسي وعسكري ويهدد بأن يصبح خارج السيطرة وأن يفيض على دول الجوار بعضاً من شظاياه مهدداً أمن واستقرار المنطقة ، فإن الدول الكبرى والمؤثرة تتابع الوضع في سوريا وتعطيه أولوية مطلقة على حساب كل ملفات المنطقة وقضاياها وأوضاعها... وبالتالي لا مكان للبنان في المرحلة الحالية على الأجندة الدولية وحتى إشعار آخر، ولا رغبة لدى المجتمع الدولي في اضطرابات تؤدي إلى تخفيف الضغط وتحويل الانظارعن الذي يحصل في سوريا . لذلك نرى الاميركيين والاوروبيين يعطون "حكومة نجيب ميقاتي" في الوقت الحاضر جرعات من الدعم من اجل الحفاظ على الاستقرار في لبنان بعدما كانوا ينتقدونها ويشككون بها.

ومن هذا المنطلق ايضاً ، وكون الانتخابات تحولت إلى مصدر تهديد للاستقرار وسبب لاشتباك سياسي وانقسام وطني " وعض أصابع " بين القوى السياسية اللبنانية المتصارعة، فإن المجتمع الدولي غير متحمس لإجراء انتخابات غير مستقرة وغير مضمونة الأجواء والمفاعيل ، وهو ليس في وارد ممارسة ضغوط على هؤلاء الافرقاء للانتظام في صف الانتخابات .

من هنا نلاحظ ان الموقف الدولي ما زال يدور حول نقطة إجراء الانتخابات في موعدها من دون ان يكون هذا الموقف عملياً وجدياً وهو أقرب إلى تسجيل موقف خجول حتى لا نقول من باب رفع العتب .

- السبب الثاني هو ان " مصلحة القوى المتصارعة " تلتقي على عدم إجراء الانتخابات والاستعاضة عنها بالتمديد للوضع القائم . ورغم التناقضات والخلافات وتضارب المصالح والحسابات ، حدث التقاء موضوعي على عدم تحبيذ الانتخابات في هذه المرحلة ولكن من منطلقات وأسباب مختلفة بين "حزب الله وتيار المستقبل" اللذين يختزلان الصراع السياسي الدائر بوصفهما أكبر قوتين على الساحتين الشيعية والسنية والاكثر تفاعلاً مع الازمة السورية وارتباطاً بها ...

حزب الله " مرتاح " للوضع السياسي الحالي لأنه يتحكم بمسار الوضع ويمسك بمفاصله منذ ان نفذ الانقلاب السياسي الابيض عام 2011 ناقلاً الاكثرية النيابية من ضفة إلى أخرى ومبعداً سعد الحريري عن الحكم والبلاد . إذاً لا مصلحة لحزب الله في أن يحرك الاوضاع السياسية في لبنان ويفتحها على أفق " مغامرة " تغيير غير معروفة النتائج قبل جلاء الوضع في سوريا ومعرفة ما ستؤول إليه الاوضاع هناك وكيف ستنتهي الحرب . من هنا فإن "حزب الله" وإذا لم يتم التوصل إلى قانون انتخابات يريحه ويضمن له اكثرية نيابية مع حلفائه ، وإذا لم يكن واثقاً من ان نتائج الانتخابات ستكون لمصلحته فانه ليس متحمساً للسير بانتخابات يمكن ان تُفضي إلى خلط الاوراق وتغيير الوضع بدءاً من "حكومة الميقاتي" التي تعد إنجازه السياسي الابرز وصولاً إلى الاكثرية داخل المجلس وإلى ما هنالك من أمور اخرى .

أما "تيار المستقبل" فإنه يواجه ظروفاًُ صعبة وضاغطة تعيق فوزه بالانتخابات فوزاً واضحاً ومؤكدا في هذه المرحلة السياسية تحديداً وخصوصاً إذا ما اعتمد قانون انتخابي على أساس النسبيةً.

وهنا فلنقل الامور بكل صراحة زعيم " تيار المستقبل " سعد الحريري في المنفى السياسي القسري، والوضع في الشارع السني يتطور من خارج إرادة المستقبل وسيطرته ، والوضع في 14 آذار ليس في افضل حال ، والقواعد الشعبية ليست في حالة جهوزية وتعبئة سياسية ونفسية ومالية ... إضافة إلى ان عناوين وملفات المرحلة السابقة لم تعد كافية لشحذ الهمم وشد العصب السياسي والشعبي بعد سلسلة الاحباطات السياسية المتتالية التي أصابت جمهور 14 آذار ... وان أي انتخابات ستجري على أساس قانون جديد غير الستين فانه من المحتمل الا يحمل إلى " المستقبل " كتلة كبيرة ومؤثرة كالتي يمتلكها في المجلس النيابي الحالي ، وبالتالي سيكونون أمام احتمال تحجيم وتقليص لكتلتهم ودورهم... كما انهم ينتظرون ما ستؤول إليه الاوضاع في سوريا لأن الظروف وحسب اعتقادهم ستكون افضل بعد سقوط النظام من اجل خوض انتخابات نيابية تعيدهم إلى السلطة مترافقة مع تغيير في موازين القوى الداخلية . من هنا السؤال المطروح اين هي مصلحة " المستقبل " في الانتخابات ؟

ما ينطبق على " المستقبل " ينطبق إلى حد ما على حلفائه في 14 آذار ، وما ينطبق على حزب الله يصح مع اعضاء الفريق الحكومي والحلفاء الاخرين : من نبيه بري الباقي رئيساً للمجلس من دون منازع ، إلى نجيب ميقاتي الذي طال عمر حكومته أكثر مما توقع ، إلى ميشال عون الذي بلغ نقطة الذروة في الحكم مع عشر وزراء ، إلى وليد جنبلاط الذي يستمر في دور المرجح وبيضة القبان...

إذاً ، التمديد للوضع الحالي كما هو من دون زيادة او نقصان مخرج يناسب الجميع في ظل هذه الظروف التي لا تشجع على خوض مغامرات سياسية . فالمطلوب من كل القيادات والقوى الكف عن المناورات المكشوفة في شأن قانون الانتخابات الذي تحول إلى " ملهاة وإضاعة للوقت " . وبدل الاستمرار في هدر الوقت والجهد ، على الحكومة والقوى السياسية وضع اخراج للتمديد والاهتمام بأمور مفيدة ومجدية ومعالجة احوال الناس المزرية وتلبية احتياجاتهم ومطالبهم ، وعلى القوى السياسية ان تسعى إلى توافق على مرحلة ما بعد تأجيل الانتخابات .

فإذا كان التوافق على قانون الانتخابات قد تعذر ، فليست هناك اسباب لعدم الاتفاق على التأجيل والتمديد للمجلس النيابي ووضع تصور للمرحلة التي تلي عدم إجراء الانتخابات، حتى لا يصبح التأجيل أمرا ًواقعاً ويتسبب بإحداث فراغ دستوري يضع البلاد في المجهول .

والامر هنا لا يقتصر على التمديد للمجلس النيابي وحسب وإنما يتجاوزه إلى التمديد لرئيس الجمهورية والحكومة الحالية إضافة إلى ما هو أهم وهو التمديد لقائد الجيش وبسرعة قصوى نظراً للتطورات الخطيرة التي تشهدها البلاد في مختلف المناطق التي تنذر بأخطر العواقب.

من المؤسف ان لا يواجه السياسيون الواقع بصدق وشفافية والا يتصرفوا بمسؤولية . إنها لمفارقة حقاً ان الجميع يتهربون من الانتخابات وان أحداً لا يريد تحمل مسؤولية التأجيل والتمديد.