حذار المَسّ بالضوابط الدولية التي تحمي لبنان

جورج شاهين

الجمهورية

لا تُخفي المراجع السياسية والديبلوماسية قلقها من النتائج المترتبة على قصور اللبنانيين عن توفير الحلول الممكنة للملفات الداخلية. وما رَفعَ مِن مَنسوبها التوَجّه الجديد لخروج البعض على سياسة النأي بالنفس التي أرضى بها لبنان المجتمعَين العربي والدولي لفترة من الزمن، فنالَ على أساسها الكثير من الضمانات. فهل ستصمُد سَلّة الضمانات هذه؟

على خلفية شهادات إيجابية أعطاها ممثّلو الدوَل الخمس الكبرى في مجلس الأمن الدولي والعواصم العربية والغربية الفاعلة على الساحتين الإقليمية والمحلية، يعترف أهل الحكم والحكومة بأنّ سياسة النأي بالنفس التي ابتدعَها لبنان أنتجَت هدوءاً وسلاماً بالحد الأدنى أبعَدَ حتى اليوم الترددات السلبية لِما جرى ويجري في العالم العربي عن الساحة اللبنانية.
وما يؤرّخ لهذا التحوّل يُمكنُ رَبطه بالتحوّلات الكبرى التي أنتجتها انطلاقة حركات الشعوب العربية باتجاه ربيعها، بعد تطويق العاصفة التي تركتها أزمة الملف النووي الإيراني أثناء وجود لبنان في الموقع غير الدائم الذي احتلّه ممثلاً للمجموعة العربية والآسيوية في مجلس الأمن، وهو ما حَدا بالمجتمع الدولي الى رَفع نسبة الضمانات التي أعطيت الى لبنان، فأعفيَ من الالتزامات الدولية المتشددة التي فرضتها المؤسسات الدولية والقوانين الأميركية على إيران وسوريا.
وتؤكّد المراجع المعنية أنّ هذه المعادلة ثابتة في الوقائع والأحداث، فالمهَل التي أعطيت إلى لبنان خلال إجراءات كثيرة، لاقاها لبنان الرسمي بالكثير من الحذر والإجراءات المتشددة، فجَنّبَ البلاد المآزق المالية والاقتصادية والأمنية. وتكفي الإشارة الى الشهادات الدولية والأميركية والعربية التي حَظي بها لبنان في محطات عديدة، تارة بغَضّ النظر عن بعض المخالفات التي ارتُكِبَت مالياً واقتصادياً وسياسياً، وتارة أخرى بالمسامحة التي مارستها مؤسسات ودوَل عدة.
ويضيف المعنيون: لَو لم يكن هذا الأمر حقيقة سياسية وديبلوماسية لَما تجاوز لبنان الترددات السلبية للاعتداءات والكَمائِن التي تعرضت لها القوات الدولية في الجنوب، وجاءت التطمينات الداخلية وإجراءات الجيش في منطقة الانتشار جنوب الليطاني لتعَزّز القناعة بأنّ بعضاً من هذه الأخطار قد زالَ او أنه تحت السيطرة.
ولَو لم تكن هذه المعادلة قائمة هل كان بالإمكان استيعاب ردّات الفعل نتيجة طائرة "أيوب" التي كان يمكن اعتبارها خرقاً خطيراً للقرارات الدولية؟ ولا سيما القرار 1701؟ وهل كان يمكن التغاضي عن الأدوار التي أدّاها "حزب الله" في اكثر من دولة في العالم؟ وهل كان بالإمكان تهدئة دوَل مجلس التعاون الخليجي وضَبط ردّات فعلها على تدخّل أعضاء في الحكومة اللبنانية في أمنها وشؤونها الداخلية؟
وعلى هذه الخلفيات، ينظر إلى ما تسَبّب به موقف لبنان في الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب عندما دانَ رئيس المجلس لشهر شباط الماضي، وزير خارجية لبنان عدنان منصور، الإجماع العربي حول الوضع في سوريا، وهو ما عُدَّ خروجاً على سياسة "النأي بالنفس"، إضافة الى ما كان متوقعاً من ردّات فِعل تُطاوِل مصالح عشرات الألوف من اللبنانيين العاملين في دوَل الخليج العربي وعائلاتهم ومصادر أرزاقهم.
وانطلاقاً ممّا تقدّم، هناك مَن يعتقد أنّ ما بلغته الأمور قد قاربَ الخطوط الحمر، إن لم يتجاوزها بقليل. وبالتالي، فإنّ أي خطأ إضافي قد يكون قاتلا، خصوصاً أن بعض الذين وجدوا في موقف منصور موقفاً مشرفاً، قد تناسوا أنه اختصَر الطريق امام اعتراف مجلس وزراء الخارجية العرب بالثورة السورية لتسليمها مواقع "سوريا - القديمة".
وتعتبر المصادر انّ المرحلة تقتضي الكثير من الحذر في التعاطي مع الأحداث في سوريا، فالعالم الذي وَضعَ لبنان تحت المجهر الأكثر دقّة قد لا يسمح او يسامِح بعد اليوم بأخطاء من هذا النوع. والأخطر من ذلك انّ هناك مَن يعتبر انّ ما جرى في القاهرة والتدخّل اليومي في الشأن السوري ما زال في بداياته، وانّ الآتي هو اكبر بكثير وأوضح ممّا سَبق. وعليه، هل ستصمُد سلّة الضمانات الدولية التي تحمي لبنان؟ وكيف؟ والى متى؟