محمد بلوط
الديار
مرة اخرى يتحول الحدث المصري الى اختبار لمسار التطورات، والتحولات في المنطقة، لا سيما في ضوء هذا الانهيار السريع لحكم الاخوان المسلمين الذي لم يدم اكثر من سنة بعد ان انتظروا ما يفوق الخمسين عاما للوصول الى السلطة.
واذا كان سقوط نظام الرئيس الاسبق المخلوع حسني مبارك قد شكل قوة الدفع الاساسية بعد تونس لترويج «الربيع الاميركي» على الارض العربية، فان سقوط حكم «الاسلام السياسي» في مصر اليوم يمكن ان يكون منعطفا اساسيا لتحويل هذا المشروع الى ربيع عربي حقيقي اذا ما سارت امور ثورة 30 حزيران على ما يرام من دون تدخلات خارجية او تشوهات.
ويقول مرجع لبناني بارز ان الاخوان المسلمين ضيعوا فرصة ذهبية ونادرة لخسارتهم الحكم سريعا، وعدم بقائهم في السلطة لاكثر من عام بعد ان انتظروا هذه اللحظة لعقود طويلة منذ ايام حسن البنا، وهم يحلمون بحكم النيل.
وبرأيه ان هذه الضربة التي تلقوها قاسية وقاصمة، بحيث ان فرصتهم للعودة الى كرسي الحكم باتت شبه مستحيلة، بعد ان خبر الشعب المصري طريقتهم الفاشلة في ادارة الدولة وشؤونها.
وفي قراءة مشهدية لردود الافعال العربية على الاطاحة بحكم الاخوان، يلاحظ المرجع هذا الارتياح الواسع لما حصل لدى السواد الاعظم من الرأي العام العربي بما فيه لبنان، حتى انه يكاد يظهر على وجوه معظم اللبنانيين.
ويستدل من ذلك ان الشعوب العربية، على الرغم من نشاط المجموعات المتشددة والحركات الاسلامية السياسية، تنشد الاعتدال وتعتبره الاسلوب الانجع والصالح للحكم، وهذا ما جعل حكم «الاخوان» يتهاوى بسرعة بعد لجوئه الى التفرد والانحراف الى التطرف والاحادية على حساب باقي المكونات الاجتماعية والسياسية.
وفي الاعتقاد ان الثورة المصرية الجديدة او المتجددة سيكون لها تداعيات على الجماعات التي تستلم زمام امور الحكم في بعض الدول التي طاول ما يسمى الربيع العربي مثل تونس وليبيا، مع العلم ان حركة حماس في غزة ستتأثر بدورها بهذا الحدث بعد خسارتها سندا مهما يتمثل بحكم «الاخوان» في مصر.
وفي الاعتقاد ان الاخوان المسلمين لم يقدموا للشعب المصري النموذج الصالح للحكم، بل انهم خذلوه في ممارستهم لادارة شؤون الدولة على كل المستويات ، وتخلوا عن النقطة السياسية التي كانت تعتبر نقطة مهمة لصالحهم عندما كرسوا انتهاج سياسة سلفهم المخلوع الخارجية وازاء العدو الاسرائيلي، فحافظوا على كل مفاعيل العلاقات والاتفاقات مع اسرائيل دون ان يحصلوا على أي مكسب في المقابل.
وبدلاً من اعطاء المصريين مثلا جديدا في الحكم، راحوا يمارسون الممارسات نفسها التي مارسها حكم مبارك في «تجميع الازلام» داخل الوزارات والمؤسسات والادارات، والانحدار نحو الفساد، والفشل في معالجة المشاكل الاقتصادية والمالية والاجتماعية، لا بل انهم ساهموا في زيادتها وتفاقمها على غير صعيد.
كل ذلك جعل الشعب المصري ينتفض بقوة اشد من تلك التي شهدتها مدن وساحات مصر في الثورة الاولى، لا بل ان الحنين الى عبد الناصر بات ظاهراً بقوة في كل التجمعات والمسيرات.
واذا كان الجيش المصري قد لعب دورا مهماً في نجاح ثورة 30 حزيران والتخلص من حكم الاخوان، فان الامواج البشرية التي ضاقت بها الشوارع والساحات في كل ارجاء مصر حتى في المدن والبلدان المحسوبة على الاسلاميين هي العمود الفقري لهذه الثورة.
واذا كانت الانتفاضة المصرية الجديدة ستشكل ملهما لتغييرات متوقعة في تونس وغيرها، فانها من دون شك يمكن اعتبارها رسالة غير سارة للمتشددين الذين يقودون الحرب ضد النظام السوري، لا سيما ان فشل الاخوان في مصر يعزز فكرة فشل تجربتهم في اي بلد عربي وخصوصا في سوريا التي تتكرر فيها تجربة حكم الاسلام السياسي، والتي لا ولن تحكم إلا بنهج الاعتدال والتنوع، وهذا بطبيعة الحال ينطبق على لبنان حيث لا فرصة لبقاء واستمرار المجموعات الأصولية المتشددة.
في كل الاحوال فان تجربة «الاخوان» «المأسوية» قضت على الآمال التي كان يعلقها الاسلاميون لحكم المنطقة العربية. وتحضر في هذا المجال محادثة بين الرئيس نبيه بري ونائب وزير الخارجية الاميركية وليام بيرنز في زيارة سابقة للبنان منذ ما يقارب السنة، ويومها قال رئيس المجلس للديبلوماسي الاميركي تدليلا على مساندة واشنطن الاسلاميين لاستلام الحكم: «انا خائف من ان يؤدي هذا الاداء والتصرف الى نهاية الاسلاميين في الحكم بعد اربع او خمس سنوات».
وبعد سنة كان اللقاء الثاني بينهما فذكّر بيرنز الرئيس بري في معرض حديثهم عن التطور الجديد في مصر بكلامه منذ سنة وبادره القول: «اعتقد انـك كنـت متفـائلا».