03 Aug 201306:48 AM
في خطابي الرئيسين

حين تندلع الحروب تنعدم السيناريوات والتكهّنات، ما خلا العسكريّ والاستخباراتيّ منها. رأينا ذلك قبل يومين في مناسبتين رئاسيّتين سوريّة ولبنانيّة:

 

فالرئيس بشّار الأسد أعدم كلّ مساحة للخيال حين وقف فوق أنقاض بلد قام بتدميره وأعلن النصر المؤزّر. والذين أطلقوا الصواريخ بُعيد خطاب الرئيس ميشال سليمان لم يتركوا، بدورهم، مساحة للخيال والتأمّل، معلنين أنّ ديانة توازن القوى و»إرسال الرسائل المباشرة» تعلو كلّ ديانة أخرى.

 

والحال أنّ خطاب سليمان كان وحده الحدث الذي يفسح في المجال للتأمّل. فالرئيس غير المعروف أصلاً بالمواقف الحادّة والقاطعة، وجد نفسه مدعوّاً للقيام بما تجنّب القيام به طويلاً، أي الدفاع عمّا أقسم بالدفاع عنه. وهذا لم يعد خياراً اختياريّاً، بل أضحى، في الظرف الراهن، خياراً إجباريّاً. ذاك أنّ لبنان بات اليوم مهدّداً بمقاطعة أوروبيّة بعد المقاطعة العربيّة. اقتصاده في غاية التردّي، وحكومته مستحيلة التشكيل، وبرلمانه ممدّد له، وأمنه سائب في ظلّ انتشار السلاح، وسياسته الخارجيّة مزدوجة، ليس فقط بسبب التورّط في الحرب السوريّة بل أيضاً بسبب الازدواج الذي تمثّله وزارة الخارجيّة ومواقف وزيرها.

 

هكذا انهارت وتنهار مقوّمات الوطن والدولة، والرئاسة طبعاً واستطراداً، الواحد بعد الآخر.

 

لقد بات الإجماع المصطنع، الذي تصيغه فذلكة «الجيش والشعب والمقاومة»، معطّلاً لكلّ شيء، أي للبلد ذاته. وعقدة العقد هنا سلاح «حزب الله» الذي تمدّد وتمدّدت مفاعيله إلى الداخل السوريّ نفسه، واستنطق، ولا يزال يستنطق، ردوداً تكمل هدم بناء البلد الذي يرأس جمهوريّته ميشال سليمان.

 

وإذا كان «حبّ الجيش» عبارة فولكلوريّة وإنشائيّة يردّدها الجميع من غير أن تكلّف شيئاً، بقي أنّ المعنى السياسيّ الإيجابيّ الذي قد يترتّب على هذا «الحبّ» هو جعله الطرف الوحيد الذي يحتكر أدوات العنف، وإسباغ الشرعيّة على عنفه وحده دون سواه.

 

وبما أنّ السياسيّ المسؤول هو من يقتنص الفرص، بدا من الطبيعيّ اقتناص فرصة العجز الخارجيّ، أي السوريّ، عن التخريب في لبنان. فنظام الأسد، الصانع الدائم للتخريب، أو الداعم الثابت له، مشغول بحربه التي يسمّيها انتصاراته! وبطبيعة الحال، وفي موازاة ذلك، تؤول الأمور في لبنان إلى توسيع الرغبة الشعبيّة في الخلاص، بغضّ النظر عن الطرف الذي قد يحمل هذا الخلاص.

 

أبعد من ذلك أنّه حين يقول ميشال سليمان، غير المعروف بالمواقف الحادّة، ما قاله، فهذا ما ينبغي أن يحضّ «حزب الله» على التفكير، ولو مرّة واحدة، بعيداً عن لغة «المراجل» الضيعويّة والتعالي المؤسّس على الصواريخ. وهذا ليس مصدره أنّ سليمان يملك صواريخ تفوق ما يملكه الحزب، بل مصدره بالتحديد أنّه لا يملكها.

 

لقد جاء خطاب سليمان على النحو الذي جاء عليه كي لا نصل إلى يوم يتحدّث فيه الرئيس اللبنانيّ كما تحدّث الرئيس السوريّ، واقفاً فوق أكوام الجثث يعلن الانتصار.

 

e='te��lg 3S�/�ext-autospace:none; direction:rtl;unicode-bidi:embed'> 

 

والى من ينتقدون التوقيت على مسافة ايام من وضع جناح "حزب الله" على لائحة الإرهاب، اليست مناسبة ليقال إنّ هذه المواقف تحمي المقاومة وسلاحها كما لبنان، لئلا يذهب ضحية حرب المحاور التي تطحن الشعب السوري؟

 

والى الخائفين من حكومة حيادية، ما الذي فعلوه لتأليف حكومة وحدة وطنية لا يغيب عنها أحد، وما زال رئيس الجمهورية متمسكاً بها الى اللحظة، وهل تؤلّف بالشروط التعجيزية التي تعيق الولادة الطبيعية؟

 

والى من يرغب برحيل رئيس الجمهورية قبل نهاية الولاية، ألا يجدر به أن يناقش في المواقف والإستراتيجيات قبل ان ينحو نحو الشخصي والعائلي والبلدي قبل الشأن العام؟

 

والى من يرغب بتوجيه الرسائل بالصواريخ، ألا يدرك هذا "الذكي" و"المحنّك" أنّ من يستهدفه أمضى العمر في الخنادق وتحت القذائف والصواريخ، لا يخشاها بعدما ألِف الخطر وهو يوجه الدعوة الى الحوار اليوم، بلا مهادنة ولا مداهنة، ولا صفقات من تحت الطاولة ولا فوقها وهو يعرف البديل عنه فلماذا التردد في الجواب؟!

ئي.��� 3S�/��ية عن سقوط مقاتليه في سوريا، وتناوله مفهوم الشهادة على نحو بدا متناقضاً تماماً عن المعنى الديني للشهادة يدين بها الحزب ويسلم بمغزاها عندما يذهب مقاتلوه في سبيل الشهادة دفاعاً عن عقيدة في أي مكان. شهادتهم هناك كهنا ذات دلالة دينية. لم تكن كذلك في موقف الرئيس ومفهومه من القتال وراء الحدود.

 

ثالثها، توقيت الكلام على سلاح الحزب في مناسبة ترتبط مباشرة بالجيش وعلى أرضه، ساعات قليلة قبل خطاب الأمين العام للحزب في اليوم العالمي للقدس، كأنه توخى دفع السجال السياسي في منحى مغاير وإرباك الحزب سواء بإزاء خيار الانضمام إلى الحرب السورية وبقاء سلاحه خارج الاستراتيجيا الدفاعية. بدا الرئيس يضع هذا السلاح على طرف نقيض من الجيش. تدارك نصر الله البارحة هذه المقاربة عندما أحال المقاومة والجيش على مواجهة مشتركة مع إسرائيل، من دون الإيحاء بذلك بردّ غير مباشر على رئيس الجمهورية.

نظر بقلق إلى توقيت مضمون الخطاب وأشعره ـــ رغم أن المناسبة تقليدية وحتمية وكذلك خطاب رئيس الجمهورية ـــ بالاستفزاز وهو يواجه تحديات كان آخرها قرار الاتحاد الأوروبي إدراج الجناح العسكري فيه على لائحة المنظمات الإرهابية. أضف العطف الدولي على المؤسسة العسكرية كي تتجمع عندئذ أكثر من حجة تغلب موقف الجيش على موقف المقاومة. قرن امتعاضه بتوجيه أكثر من إشارة غير مباشرة إلى سليمان عبر قنوات مختلفة على صلة وثيقة إلى دعم الحزب الجيش ووقوفه إلى جانبه وترؤسه حملة تأجيل تسريح قائده العماد جان قهوجي ومنع الفراغ في قيادته.