لا يبدو الوضع الداخلي في لبنان مقبلاً على ايّ تطوّر مهمّ في الاسبوع الطالع اللهمّ إلا إذا طرأ ايّ تطور أمني لا يمكن إسقاط احتمالاته من الحسبان. اما في الواقع السياسي، فان البلاد مقبلة على فسحة عيد الفطر التي لا يُتوقع خلالها ايّ امر او تطوّر من شأنه ان يبدّل المشهد الذي ازداد تعقيداً بعد تطورات الايام الاخيرة والذي يبدو عرضة لقراءات متمعنة في ظل المواقف التي اكتسبت منحى رسمت معه لوحة يعتقد المراقبون انها ستؤدي الى مزيد من الانسداد السياسي.
ذلك انه رغم أهمية الزيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان لطهران مشارِكاً مع عدد من الزعماء والرؤساء في الاحتفال الرسمي بتسلّم الرئيس الايراني الجديد حسن روحاني مهماته، فإنه سيكون من المبكر الرهان على نتائج لهذه الزيارة من شأنها المساهمة في تبديد الاجواء الشديدة التوتر التي أثارتها مواقف سليمان لدى “حزب الله” عقب الخطاب الذي ألقاه الرئيس اللبناني في عيد الجيش الاسبوع الماضي. وأسوة بهذا الامر تماماً، فان خطاب الرئيس سعد الحريري الذي ألقاه مساء الجمعة الماضية والكلمة التي القاها الامين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله في حضوره المباشر للاحتفال بيوم القدس العالمي قبل ساعتين فقط من خطاب الحريري لم يتركا اي مجال لرهانات على خرق قريب للازمة الداخلية، بل ان مجمل هذه المواقف الثلاثية لسليمان والحريري ونصرالله بدت في خلفيتها كأنها تدور ضمن الحلقة المقفلة للأزمة.
وتقول اوساط واسعة الاطلاع لـ”الراي” ان أهمّ ما أبرزته هذه المواقف، مضافاً اليها حادث سقوط صواريخ في محيط القصر الجمهوري مساء الاول من اغسطس، هو ان تداعيات تورط “حزب الله” في الصراع السوري قد وصلت الى حد لم يعد معه ممكناً للحزب ان يتجاهل العزلة الداخلية والخارجية التي تشدّ الحصار حوله ولو مضى في سياسة الانكار على غرار ما فعل نصرالله في تجاهله هذا الامر في كلمته الاخيرة كما تجاهل التعليق على خطاب الرئيس سليمان.
وتشير الاوساط الى ان الاصداء الواسعة التي أثارها الموقف المتقدم لسليمان بدت بمثابة صدمة اضافية للحزب فيما جاءت مواقف الحريري لتلاقي واقعياً مواقف رئيس الجمهورية من جهة، وتضع حداً من جهة اخرى لايّ رهان لدى بعض قوى “8 اذار” على التفافٍ على مهمة الرئيس المكلف تمام سلام الذي اتخذ الحريري موقفاً حاسماً من المضي في دعمه.
ومع ذلك فان الاوساط تستبعد ان يسفر هذا التفاعل للمواقف التي تلاحقت عن اي مشروع جدّي قابل للترجمة القريبة في تسهيل تشكيل الحكومة، بل انها لا تستبعد ان يواجه الحزب مواقف سليمان والحريري بمزيد من التصلب والتشدد وتقييد عملية تشكيل الحكومة. أما ما تردد عن احتمال الاقدام على تحريك الملف الحكومي بعد عطلة عيد الفطر فان الاوساط تدرجه في اطار استمرار ملء الوقت الضائع بالكلام عن محاولات مماثلة لان لا الرئيس المكلف ولا رئيس الجمهورية ولا ايضاً شريكهما الاساسي النائب وليد جنبلاط سيكونون في وارد المغامرة بتشكيل حكومة امر واقع تقول الاوساط ان دونها ليس فقط محاذير سياسية وانما أمنية ايضا وهو ما بات معلوماً من غالبية المعنيين.
ولذا تقول الاوساط ان مرحلة انتظار الامر الواقع هي الاقرب الى التوصيف الواقعي اذ ان لا “حزب الله” يمكنه ان يتراجع او ان يصعّد ولا خصومه ولا المسؤولين يمكنهم ان يمضوا الى ابعد من محاصرة الحزب بسلاح الموقف. وهي معادلة تحكم على لبنان بانتظار التطورات الخارجية وسط عجز كامل عن اي مبادرة داخلية باتت تحتاج اكثر من اي وقت الى مناخ اقليمي مختلف لا يبدو وارداً الان على الاقل ان وقته قد حان.
غير ان دوائر مراقبة في بيروت رأت ان القوى صاحبة المصلحة في تشكيل حكومة جديدة لم تعد قادرة على التسليم بالمعادلة التي فرضها “حزب الله” والقائمة على ان “لا حكومة من دون مشاركته”، خصوصاً ان البلاد ستكون على موعد مع خطر فراغ رئاسي بعد اقل من 10 اشهر، وهو الامر الذي لا بد من استباقه بتشكيل حكومة جديدة تكون قادرة على ادارة شؤون البلاد.
وفي تقدير هذه الدوائر ان اللحظة قد تكون مناسبة لتشكيل حكومة ذات وزن وطني، حيادية او “غير حزبية”، اي لا تتمتع القوى السياسية بتمثيل مباشر فيها، لا سيما وان تعديلاً طرأ على موقف الرئيس سليمان، والى حد ما على موقف جنبلاط لجهة قيام مثل هذه الحكومة، وسط عملية تدقيق لمستوى رد فعل “حزب الله” على خطوة جوهرية كهذه.
ولم تستبعد اوساط بارزة في قوى “14 آذار” تجرع “حزب الله” لكأس قيام حكومة من دون تمثيل مباشر فيها، انسجاماً مع رغبته في عدم فتح معركة داخلية في اللحظة التي يرمي بثقله في الحرب على سورية، ولادراك حجم عزلته الخارجية والداخلية، واضطراره اخيراً الى الاستعانة بخطاب تعبوي غير مسبوق من خلال كلام نصرالله عن “شيعية” حزبه والنزول شخصياً الى “الساحة” في احتفال يوم القدس لاستنهاض جمهوره نتيجة التحديات التي يتعرض لها.