رفيق خوري
الأنوار
لا شيء يكمل مذبحة القاهرة سوى تزوير وقائعها على طريقة الأنظمة الاستبدادية بمؤازرة من المنظمات الظلامية ومسايرة من الخائفين من كلفة الحقيقة. فهي دامغة بالصوت والصورة كجريمة ضد مصر وضد الانسانية، لا فقط في حق أقباط متظاهرين. وهي أفظع من موقعة الجمل التي أحيلت رؤوس المسؤولين عنها الى القضاء، وأفظع ما فيها انها حدثت بعد الثورة التي جمعت المسلمين والأقباط في ساحة التحرير في استعادة للوحدة الوطنية أيام سعد زغلول ومكرم عبيد.
والهرب من تحمّل المسؤولية مهمة مستحيلة. فالعاصفة السياسية التي هبّت بعد المذبحة أقوى من ان تنجح البيانات في الاحتماء منها. ولا مجال للنجاة السياسية منها بغسل الأيدي الملطخة بالدماء وتغطية ما كشفته المذبحة من مشاكل بنيوية عميقة في الاقتصاد والمجتمع والسياسة. حتى الاستقالة التي وضعها رئيس الحكومة عصام شرف بتصرف المجلس العسكري بعدما حشرته استقالة نائبه الدكتور حازم الببلاوي الذي يحظى باحترام كبير، فانها مجرد خطوة يجب ان تسبقها خطوات وتتلوها خطوات على مستوى مركز السلطة والقرار وهو المجلس العسكري.
ذلك أن الأقباط يسمعون حجة لا تقلي عجة بدعوتهم الى انتظار مجلس نيابي وحكومة تمثيلية للحصول على مطلب قديم هو القانون الموحد لبناء دور العبادة. فالمجلس العسكري الذي يمارس سلطة الرئيس والمجلس النيابي أصدر مراسيم أهم بكثير، بينها واحد أنشأ نوعاً من الدستور الموقت. وهو كان ولا يزال يرفض المطالبة بتأليف مجلس حكماء أو مجلس رئاسي من ثلاثة: اثنين مدنيين وثالث عسكري.
وليس من السهل على المجلس، ولو في مرحلة انتقالية، أن يبقى حائراً بين ثلاثة اتجاهات أو غامضاً حيالها. فالثورة قامت تحت عنوان الانتقال من نظام استبدادي الى دولة مدنية ديمقراطية على أساس المواطنة. وما سمعته القاهرة من رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان هو قوله: أقيموا دولة مدنية ولا تخافوا من العلمانية. وما سمعته من طهران منذ الثورة، ثم قبل أيام بلسان مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي الجنرال رحيم صفوي هو انتقاد دعوة اردوغان، واعتباره الثورة هي الثورة الاسلامية الثانية بعد الثورة الاسلامية في ايران. وليس بين القوى السلفية والمتشددة من يكتم الدعوة الى الدولة الاسلامية.
لكن الواقع هو شيء من كل شيء. شيء من الدولة الأمنية، وشيء من الدولة المدنية، وشيء من الدولة الدينية. وخلاصة الصورة، بمعزل عن التصور، ان الثورة لم تكتمل، والنظام لم يسقط وإن سقط رأسه، والصراع أعمق من أن تحسمه الانتخابات المقبلة.