غسان سعود
الأخبار
هما أنفسهما خدّاها، والابتسامة و«جدّولة» الشعر والعينان الضاحكتان. كأنها لم تكبر شيرين. أما هو، فيخبئ أصابعه في شعرها، ولعله كان يلاعب أذنها الصغيرة. يرتدي بذلة الجيش. وخلافاً لها، يبدو مضطراً إلى الابتسام. الحد الأدنى من الابتسام ككل ذاهب إلى الموت. لا حاجة هنا إلى الـ«كأن»: لم يكبر جورج زعرب
في كل 13 تشرين، تعود صورة شيرين طفلة إلى واجهة الـ«فايسبوك» الخاص بها. تمر بين العام والعام، عشرات الصور. لعيد الميلاد قبعته المضحكة، لوالدتها غمرة استثنائية، ولأصدقائها كل المرح. تلعب، تقفز، تتشيطن، وتهدأ فجأة. فجأة، تظهر صورة للرجل نفسه، كتبت تحتها: بطلي، اعتزازي، ملاكي، راسمة بضع نقاط قبل أن تختتم السطر بقلب صغير.
شيرين. لم تحملها والدتها لتجوبا الاحتفالات باكيتين. لم تقدم نفسها مرة بصفتها «ابنة الشهيد». لم تطالب مجلس الأمن بمحكمة دولية تنصفها، ولم تطلب تسمية المطار ومدينة كميل شمعون الرياضية والمجمعات الجامعية وساحات المدن، باسم والدها. لم ترفع صور والدها على أعمدة الإنارة من الحازمية إلى حارة الست حيث تسكن. ولم تنتظر يوماً مبادرة بطريرك أو حتى مطران لرعاية قداس لراحة نفس والدها.
وحدها تلك الصورة تعلم كم افتقدت شيرين والدها حين كانت ترقص تلك الليلة، وحين احتدم النقاش السياسي على مائدة جدتها، وحين اكتشفت عشية امتحان الدخول إلى نقابة المحامين أنها «من دون واسطة». وحدها تلك الصورة تعلم أن شيرين تحاول يومياً مطابقة ابتسامتها مع ابتسامتها في الصورة، مقنعة نفسها بأنها لا تزال كما كانت: سعيدة وقوية.
تتمم اليوم ذكرى 13 تشرين الأول 1990 عامها الحادي والعشرين. لا تتوقع شيرين التي تبلغ الشهر المقبل عامها الخامس والعشرين تقدماً في إحياء التيار الوطني الحر للذكرى. هي اعتادت أن لا ينتبه المنظمون إلى وجوب دعوة عائلات الشهداء، وأن لا يخصص لهؤلاء كراسيّ فيضطروا إلى الوقوف أو المغادرة، وأن لا يعد التيار لائحة بأسماء الشهداء وأن لا يسأل عن عائلاتهم أقله للاطمئنان. وتتوقع في المقابل أن يكون احتشاد «المسؤولين» أكبر هذا العام من كل السنوات السابقة نتيجة اقتراب موعدي التعيينات الإدارية والانتخابات النيابية. لكنها، رغم كل ذلك، ستقود سيارتها وتذهب للاحتفال بذكرى خاصة بها وحدها. تشبه شيرين في بعض ذلك، أولئك الناشطين الذين لم يلتقوا العماد ميشال عون منذ عودته قبل ست سنوات إلا بضع مرات، لكنهم يتصرفون على بعض وسائل الإعلام وفي بلداتهم باعتبارهم يلتقونه كل يوم، يشاورونه ويشاورهم، يُبلغونه ويبلغهم. لكن «الخطير» في الموضوع أن شيرين (التي لا تريد منصباً في التيار ولم يخصص لها أحد راتباً شهرياً ولا تطمح أبداً إلى مزاحمة الياس الزغبي وبشارة خير الله وعصام أبو جمرة على قيادة الحركات العونية التصحيحية) تردد بينها وبين نفسها تقريباً، بانفعال عفوي: «يا ريت ما بيسموها ذكرى 13 تشرين؛ لأنك قد تجد في الشكل بعضاً من 13 تشرين، أما المضمون فلا علاقة له أبداً بالذكرى».
هنا أساس الموضوع. بحكم الصراع المستمر بين التيار العونيّ والقوات اللبنانية، لن يتذكر العونيون اليوم من تلك الذكرى إلا صوت الأجراس التي قرعها أنصار القوات اللبنانية فرحاً بانتهاء «الكابوس». لكن بعيداً عن القوات وكل الآخرين، يفترض بالعونيين التخفيف قليلاً من انشغالهم بهؤلاء للسؤال عن أنفسهم. فثمة نقاط كثيرة تفرض نفسها اليوم بحسب بعض أبناء 13 تشرين:
في 13 تشرين 2011، ثمة عسكري متقاعد في زحلة لم يحصل على تعويضه بعد. يكاد يموت وزوجته من الجوع بعد «فالج» أقعده ضريراً في السرير إثر زيارته الرابية ورفض الحراس هناك السماح له بمقابلة الجنرال. وثمة نواب في تكتل التغيير والإصلاح لا يعرفون معنى ذلك التاريخ بالنسبة إلى التيار الوطني الحر، ونواب لم يعتذروا من ناخبيهم العونيين عما قالوه في ذلك اليوم. في 13 تشرين 2011، تستقبل الـ«أو تي في» «إمبراطور نوويرستان»، ميشال الفترياديس، بوصفه «رئيس الحركات الموحدة للمقاومة» بين عامي 1991 و1994، التي نظمت على حد قول المحطة، «إضرابات عامة شلت نشاط البلد والجامعات والمدارس»، فيما يهمش أكثر فأكثر يوماً تلو آخر الفاعلون الفعليون في الإضرابات الحقيقية التي شلت جزءاً أساسياً من نشاط الجامعات والمدارس بين عامي 1994 و2005. في 13 تشرين 2011، يصفق التيار للعمليات العسكرية التي تنهي «الكابوس» بالنسبة إلى النظام السوري.
حين تعدد شيرين أو غيرها بعضاً مما سبق، لا يكون هدفها أبداً «التمريك» على التيار أو «نكوزة» العماد ميشال عون. هي وغيرها يعلمون وطأة هذه الذكرى على الجنرال، وأنه لو عرف أن رفيق سلاح مثل جان طاوع يقف على الباب لخرج فوراً للاعتذار منه والسعي إلى حل مشكلته هو والعسكريين الآخرين الذين أخرجوا من الجيش بـ«رضاهم» بعد 13 تشرين. لكنها هي وآخرين يعتقدون أن الذكرى تأتي اليوم وقد باتت تملك الحق بالاقتراع، وهذه مناسبة ليحدد التيار الوطني الحر خياراته فيقنعها (ذكرى 13 تشرين) بانتخابه.
في ذكرى القضية التي أطلقت التيار، ما هي القضية التي تحييه اليوم؟ متفقون على «إمبراطور نوويرستان» نجماً للتيار؟ ما دام غسان الرحباني مطربه و«بويتا بويتا بويتا بوي، بويتا بوا» أغنيته المفضلة. في ذكرى «الاندثار»، تعرف شيرين معنى فقدان الأب، وصعوبة الحفاظ على الأسرة بعد غيابه. يحق لها في ظل الأسئلة السابقة أن تخشى من تكرار 13 تشرين، وليس أصعب من فقدان والدها بالنسبة إليها إلا ذلك الشك الذي يراودها من حين لآخر بأنها خسرته لقضية لم تعد موجودة.