الوعي الكونيّ
NOW

يصعب على بلد ما، وعلى محيط ثقافيّ ما، أن يتقدّما من دون امتلاكهما وعياً كونيًّا: وعياً يعرف ما الذي يجري في العالم، ووجهته العامّة، والربط الممكن بينه وبين الحدث الوطنيّ أو المحليّ.
أضرب على ذلك مثلين راهنين جدًّا وملحّين جدًّا:
فنحن ربّما كنّا، في منطقة الشرق الأوسط، نعيش عشيّة احتمال حرب إقليميّة. ذاك أنّه في مناخ الثورات العربيّة، لا سيّما الثورة السوريّة، تدلهم العلاقات بين إيران من جهة والولايات المتّحدة والسعوديّة من جهة أخرى. ويأتي الاتّهام الموجّه إلى طهران بمحاولة اغتيال السفير السعوديّ في واشنطن ليصبّ كثيراً من الزيت على نار الملفّ النوويّ وإشكالاته.
ومعروفٌ أنّ بين الثورات والحروب علاقة وثيقة في التاريخ. فالثورة الفرنسيّة ما لبثت أن تأدّت عنها الحروب النابوليونيّة، والثورة الروسيّة ولدت في بيئة الحرب العالميّة الأولى ثمّ نتج عنها ما أسماه البلاشفة الروس "الحرب الإمبرياليّة"، والثورة الصينيّة تطوّرت في مناخ الحرب العالميّة الثانية والحرب مع اليابان، والثورة الإيرانيّة ما لبثت أن اندمجت في الحرب التي أعلنها صدّام حسين على الجمهوريّة الوليدة.
هذا المستجدّ الضخم الذي سيؤثّر، في حال حصوله، على حياتنا بأكملها، بل على حياة أجيال في المنطقة لم تولد بعد، لا أثر له على أيّ صعيد كان. فنحن نقرأ سطراً أو سطرين عن ذلك في الصحف، ثمّ نستأنف حياتنا كما لو أنّ شيئاً لم يكن.
هل نلمس مثل هذا الأثر على سياسيّينا أو مثقّفينا أو رجال أعمالنا أو...؟ الجواب: لا جازمة للأسف.
المثل الآخر حركة الاحتجاج العالميّة التي شقّت طريقها انطلاقاً من نيويورك: ضدّ المصارف وجشعها وضدّ السياسيّين الذين يعملون خدماً لتلك المصارف وذاك الشجع. ذاك أنّ الأزمة الاقتصاديّة المتفاقمة التي تُحمّل أكلافها للفقراء وللشبّان خصوصاً، تستثير مدن العام وتحضّها على محاولات التدخّل المباشر لتصويب الشأن العامّ. والتدخّل قد يتّخذ بالتدريج شكل احتلال لمؤسّسات هي بذاتها رمز صارخ على سياسات النهب والتبديد والفساد.
هل يمكن للعرب البقاء خارج هذه الوجهة كما لو أنّ الأزمة الاقتصاديّة لا تعنيهم ولا تؤثّر فيهم؟.
ما من شيء حتّى الآن يقول إنّهم معنيّون بما يجري، وهذا علماً بأنّ الانتفاضات سبب إضافيّ للإلحاح على البُعد الاقتصاديّ الذي يعطيها مضامين أكبر، أو يساعد على بلورة مضامينها العادلة.
إنّ حضورنا في هذا العالم يبقى ناقصاً من دون وعي كونيّ، وعيٍ يؤدّي امتلاكنا له إلى كسب الكثير، بما في ذلك سقوط سياسات وشعارات ومواقف انتهت صلاحيّتها في العالم بأسره!