التصويت دلالة تحوّل؟

يُعد الرجل الثاني في الهرمية العلنية لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم من كبار مطلقي الاشارات السبّاقة الى قرارات الحزب وتوجهاته في الملفات الداخليّة الأساسية، الأمر الذي يكسب موقفاً أطلقه قبل أيام قليلة من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي دلالة تستدعي المعاينة الدقيقة.
يستدل من خلاصة هذا الموقف – المؤشر أن "حزب الله" يزداد تمسّكاً بالحكومة الميقاتية بما لا يحتمل أي جدل، ولكنه يتهيأ في المقابل ويهيئ معه الحلفاء الاضطراريين والطوعيين لجراحة صعبة وخطرة في مسألة تمويل المحكمة الدولية.
عُرف "حزب الله" تقليدياً بمناداته الدائمة بـ"الديموقراطية التوافقية" التي حصد منها حتى الآن، طوعاً أو قسراً، تثبيت معادلة "الشعب والجيش والمقاومة" بديلاً من طرح خصومه لمسألة سلاحه.
في الموقف الأخير للشيخ نعيم قاسم يبرز تطور في طرحه معادلة التوافق او التصويت داخل الحكومة، على موضوع تمويل المحكمة. وهي معادلة سوية ومبدئية تماماً قياساً بالأصول والنظم الديموقراطية عموماً وبما يمليه اتفاق الطائف خصوصاً. يمكن من الناحية النظرية أن يعتبر هذا التطور في مسار الحزب مؤشراً شديد الايجابية في اندماجه باللعبة الديموقراطية وفق ما يمليه الدستور واقترابه أكثر فأكثر الى صورة حزب يزيل عنه صورة "مفزعة" في فرض أنماطه بقوة امتلاكه السلاح حتى لو أتكأ في ذلك الى أكثرية عددية ظرفية أو دائمة، فالتسليم بالمبدأ الديموقراطي هو مسألة مبدئية صرفة لا تخضع للتلونات.
غير أن الحزب سيجد نفسه لاحقاً في مواجهة مساءلة حتمية عما إذا كان سيثبت على اعتماد هذه القاعدة في كلّ الملفات المصيرية أم أنه يتوسلها حصراً للقضية الأساسية التي تعنيه في موضوع المحكمة.
ثم أن اعتماد التصويت في موضوع قرار دولي وبروتوكول خارجي نافذ منذ عام 2007 وتمويل آلي مستمر على اساسه منذ عام 2008 يثير نقطة إشكالية ضخمة تتصل بمبدأ استمرارية الحكم وأحداث سابقة خطرة في التنصل من اتفاق ذات طابع خارجي. ولو جرى اعتماد هذه القاعدة فان الأمر قد ينسحب يوماً على القرار 1701 الذي لا يخضع لأي إجراء في "التوافق او التصويت" ولا حتى في التمويل.
هذه المجموعة المتشابكة من العوامل المتضاربة تضفي أهمية مزدوجة على المسلك الذي سيتبعه الحزب في الحفاظ على جنّة الحكومة وتجنب محاذير الضربة القاضية لالتزامات رئيسها في تمويل المحكمة. ولكن البعد الجديد والمثير للاهتمام في كلام الشيخ قاسم يتصل بالتوجهات المحتملة المطلّة على النظام السياسي الدستوري.
ولعله من باب الاجتهاد الاستباقي الذي يبيحه موقف نادر كهذا أن يُطرح تساؤل عما إذا كان الحزب يلمّح الى جاهزيته لجرعة اندماج في النظام في مقابل تقويض ناجز لالتزامات لبنان حيال المحكمة. فمن يملك تسديد ثمن كهذا؟ وهل تستقيم ديموقراطيّة توافقيّة في شأن السلاح مع اتباع ديموقراطية التصويت حيال المحكمة على سطح واحد؟