في ظل الصخب الذي أحدثته فضيحة خطف السوريين الثلاثة وتسليمهم إلى سلطات دمشق، سجلت الاشتباكات التي دارت أمس داخل الأراضي اللبنانية في مشاريع القاع بين عناصر من الجيش السوري ومنشقين عنه، خرقا سوريا جديدا للسيادة اللبنانية، ما أدى الى مقتل المجموعة المنشقة بكاملها وهي مؤلفة من ضابطين وستة عناصر. مع تكرار عدة حوادث من هذا النوع في عدة مناطق لبنانية بين الشمال والبقاع، اختار الجيش السوري بلدة القاع البقاعية مسرحا لعمليات تنكيله بمجموعة عسكرية قررت الإنشقاق عنه والإنضمام إلى "الضباط الأحرار". مرة جديدة، دخل الجيش السوري بعسكره ودباباته وقام بعملية نوعية داخل الأراضي اللبنانية. أما السلطات اللبنانية فيبدو أنها استقالت من واجباتها الدستورية والمسؤوليات الملقات على عاتقها بحكم القانون اللبناني والدولي. وعوضا عن التصرف بما يمليه الواجب الوطني عند حدوث أي خرق للسيادة اللبنانية تفضل السلطات الرسمية اللبنانية أن تنأى بنفسها عن الدفاع عن لبنان وعن حماية مواطنيها الذين يطالبونها بحمايتهم.
ورغم الملفات الشائكة التي تطرح على بساط البحث في الداخل، صدرت مواقف منددة بالأداء الحكومي حيال مسلسل الخروقات السورية أمنيا وعسكريا. كان أبرزها ما جاء في بيان صادر عن نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري الذي اعتبر أن "الخروقات السورية لأمن لبنان وسيادته تكررت سواء عبر الحدود، من خلال ممارسات الجيش السوري، أو من الداخل، من خلال ممارسات ما يمكن أن نسميه "النسخة الديبلوماسية من عنجر" أو "البوريفاج بصيغته المنقحة"، معتبرا "أن هذا الأمر "بدأ يتخذ منحى خطيرا مرشحا لأن يتفاقم ما لم تبادر الحكومة اللبنانية الى وضع حد له".
ورأى مكاري أن "الحكومة اللبنانية تتصرف ازاء كل ذلك وكأنها لا ترى ولا تسمع، وهذا أمر مهين لكرامة لبنان وشعبه، ومسيء الى هيبة الدولة ومؤسساتها، ومعيب في حق مسؤوليها، فالسكوت عن استباحة الأراضي اللبنانية وأمن لبنان هو بمثابة تعاون وتواطؤ مع من يستبيحونهما".
وطالب المسؤولين بأن "يتحملوا مسؤولياتهم ويصدروا موقفا علنيا وتعليقا واضحا تبدي فيه الحكومة اللبنانية رسميا احتجاجها، أو على الأقل قلقها، بدلا من أن نقرأ تبريرات مسربة الى الصحف لما يحصل، بلسان مصادر أمنية عبر الصحف، تارة تحت حجة تداخل الأراضي الحدودية، وتارة بذريعة مكافحة التهريب".
أضاف: "حتى لو كان صحيحا أن ثمة تهريب أسلحة يتم الى سوريا عبر الحدود، وأن لدى سوريا ملفا مفصلا في هذا الشأن، فضبط الحدود والتهريب مسؤولية الدولة اللبنانية، وليس للقوات السورية أن تتوغل وتتصرف على هواها وكأنها في أراضيها، وما على سوريا الا ان تنسق مع الجيش اللبناني في أي أمر على الأراضي اللبنانية، بشرط ألا يتحول الجيش اللبناني أداة مساعدة لقمع المعارضين السوريين".
ورأى أن "تمادي سوريا في هذه الانتهاكات أصبح استهتارا بالدولة اللبنانية، واذ سكتت السلطات اللبنانية عن الاختراقات التي تحصل، ولو كانت في نظرها محدودة، فهي يمكن أن تتطور في أي وقت الى أكبرمن ذلك".
وقال: "ليس مسموحا للحكومة اللبنانية أن تلجأ في هذا المجال الى سياسة النأي بالنفس، كما تفعل في كل موضوع يتعلق بسوريا، فالأمر هنا يتعلق بلبنان وسيادته وحرمة أراضيه، وكرامة شعبه، ولا يمكن للحكومة اللبنانية أن تتجاهل كل ذلك وتصم آذانها وتغمض عينيها".
بدوره رأى عضو كتلة "المستقبل" النائب معين المرعبي في حديث الى إذاعة "صوت لبنان 100,3 - 100,5"، "وجوب تسمية السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي بعميل النظام السوري في لبنان وليس سفيرا".
وقال: "المؤسف اليوم هو الذي طالعنا به الجيش اللبناني عن أن الجيش السوري لم يدخل إلى الاراضي اللبنانية"، معتبرا أنه "داخل قيادة الجيش يبدو انهم يتسترون على الخروق السورية في لبنان وللأسف مخابرات الجيش اللبناني أصبحت عميلة للنظام السوري". اضاف: "في الموضوع الداخلي السوري نحب الا نتدخل. لكن امام الاعتداء على منازلنا والجوامع والاعتداءات في عرسال والشمال والبقاع الشمالي، نحن غير قادرين الا أن نرفع الصوت ونطالب الدولة بتحمل مسؤوليتها في ضبط الحدود". وختم: "لتتفضل الحكومة اللبنانية وتطلب ترسيم الحدود واذا كانت غير قادرة فلتطلب من القوى الدولية أن تقف على الحدود وتحميها ولترسم خطا أزرق هناك".
وفي سياق متصل اكدت سفيرة الولايات المتحدة لدى لبنان مورا كونيلي ان "العنصر الاكثر اهمية اليوم، في ظل التطورات في سورية يكمن في محاولة ضمان بقاء لبنان بعيدا من اي تداعيات سلبية لهذه التطورات". الخروقات السورية حطت أيضا على طاولة النقاش الذي دار بين رئيس حزب الكتائب الرئيس أمين الجميل والسفير الفرنسي لدى لبنان دوني بييتون. فكان موقف بييتون إثر خروجه من الإجتماع منسجما مع موقف الخارجية الفرنسية فقال: "تطرقنا الى الاوضاع المحلية والاقليمية لا سيما الخرق السوري للحدود اللبنانية، وذكرنا بموقف فرنسا الداعم للسيادة اللبنانية التي يجب ان تحترم، وتطرقنا الى موضوع المعارضين السوريين الذين لجأوا الى لبنان ومن الواجب حمايتهم".