اميل خوري
النهار
بعد الجدل القائم حول الكلام عن اختراقات سورية للحدود اللبنانية وخطف لبنانيين وسوريين داخل الاراضي اللبنانية وقتل بعضهم واعتصام الحكومة بالصمت ولا بيان يوضح الحقيقة، لا بد من العودة الى نصوص "اتفاق الدفاع والأمن" الموقع بين البلدين في آب 1991 لمعرفة من يخالف أحكام هذا الاتفاق.
وينص هذا الاتفاق في باب "البيئة التنظيمية والمهمات" على الآتي: "تؤلف لجنة شؤون الدفاع من وزيري الدفاع والداخلية في كل من الدولتين وتجتمع دورياً كل ثلاثة أشهر في كل من العاصمتين بيروت ودمشق او في اي مكان آخر يتفق عليه، كما تجتمع كلما دعت الحاجة. وفي امكان اللجنة ان تستعين بمن تشاء من رؤساء الاجهزة الامنية في كل من الدولتين أو رؤساء الاجهزة الاخرى التابعة لكل من الوزارتين. وعلى قيادات الجيش والاجهزة الامنية والادارات الاخرى المعنية الاجتماع دورياً مرة كل شهر وكلما دعت الحاجة في المكان الذي يتفق عليه لتنفيذ البرامج التي تضعها لجنة الدفاع والامن ومراقبة تفاصيلها، ودراسة الوسائل للحفاظ على أمن الدولتين واقتراح الخطط المشتركة للوقوف في وجه اي عدوان أو تهديد لأمنهما القومي ومواجهة أي اضطرابات تحل بالأمن الداخلي لأي من الدولتين. وبغية تأكيد تعهد كل من الدولتين عدم جعل لبنان مصدر تهديد لامن سوريا أو سوريا لامن لبنان، على الاجهزة العسكرية والامنية في كل من البلدين اتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع اي نشاط أو عمل أو تنظيم من شأنه الحاق الاذى والاساءة بالبلد الآخر وان يلتزم كل من الجانبين عدم تقديم ملجأ أو تسهيل مرور أو توفير حماية للاشخاص والمنظمات الذين يعملون ضد أمن الدولة الاخرى، وفي حال هربهم اليها يلتزم الجانب الآخر القبض عليهم وتسليمهم الى الجانب الثاني بناء على طلبه".
ونصت الاحكام الختامية للاتفاق على "اقتراح القواعد والمبادىء والنظم التي من شأنها ان تؤدي الى تنفيذ الاتفاق بصورة كاملة وفاعلة الى المجلس الاعلى".
هذه الاحكام لم تحترمها سوريا خصوصاً خلال الاحداث الامنية التي تواجهها.
والسؤال: لماذا تلكأت سوريا في ترسيم الحدود بين البلدين لمنع حصول ما يحصل الآن من جدل حول مسؤولية خرقها رغم انعقاد اكثر من قمة لبنانية - سورية لهذه الغاية خصوصاً ترسيم حدود مزارع شبعا للتمكن من مطالبة اسرائيل بالانسحاب منها، حتى اذا ما تحقق ذلك تزول اسباب احتفاظ "حزب الله" بسلاحه، فاستمر الوضع في مزارع شبعا على ما هو لأن اسرائيل ترفض الانسحاب منها قبل ان ينتهي النزاع حول ملكيتها بين لبنان وسوريا، وسوريا ترفض إنهاء هذا النزاع قبل انسحاب اسرائيل. وهكذا ربطت اسرائيل هذا الانسحاب باتفاق لبناني - سوري حول ملكية هذه المزارع، وهو اتفاق لم يتم التوصل اليه حتى الآن مما ابقى المزارع تحت الاحتلال الاسرائيلي وأبقى بالتالي لـ"حزب الله" ذريعة الاحتفاظ بسلاحه... مع أن الزعماء اللبنانيين أجمعوا في لقاءات هيئة الحوار الوطني على تحديد حدود مزارع شبعا ورغم ذلك لم تستجب سوريا لما اجمع عليه هؤلاء الزعماء، ولا ساعدت على تنفيذ قرار آخر اتخذ بالاجماع أيضا يتعلق بازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه داخلها، ولا ساعدت على جعل اتفاق الدوحة محترماً من جانب حلفائها في لبنان ولا سيما "حزب الله"، بل خرق هذا الاتفاق غير مرة، ولا اتخذت الاجراءات من اجل ضبط الحدود بين البلدين ومكافحة التهريب والاعمال المخالفة للقانون من خلال السلطات المعنية لدى البلدين وذلك بالتنسيق على جانبي الحدود ووضع آليات ارتباط واتصال سريعة ودقيقة لهذا الغرض. فكان من نتيجة عدم تنفيذ كل ذلك أن أخذت الاتهامات توجه الى لبنان بتهريب أسلحة منه الى سوريا وتبرير خرق سوريا الحدود بحجة مراقبتها وضبطها... ولا يتم تفعيل أعمال اللجنة المشتركة المتعلقة بالمفقودين اللبنانيين واعتماد الآليات الكفيلة بالوصول الى نتائج نهائية وبالسرعة الممكنة بما في ذلك اطلاع الجهات المعنية بشكل دقيق على مجريات التقدم في هذا المجال، وهو مما جاء في البيان الختامي المشترك للقمة بين الرئيس سليمان والرئيس الاسد في آب 2008، ولاعادت العلاقات بين البلدين من دولة الى دولة، رغم تبادل التمثيل الديبلوماسي بينهما، وظلت هذه العلاقات خليطاً من دولة الى دولة ومن دولة الى شخصيات وقوى سياسية وحزبية لبنانية وكأن لا شيء تغير بين ما كان زمن الوصاية السورية على لبنان وانتهاء هذا الحكم، مما جعل أركاناً في قوى 14 آذار ينددون بالاختراقات السورية للاراضي اللبنانية ويطالبون بالتصدي لها ويعتبرون ان هذه الاختراقات بدأت تأخذ منحى خطيراً مرشحاً لأن يتفاقم ما لم تبادر الحكومة اللبنانية الى وضع حد له، ويدعون القضاء اللبناني الى التحرك.
وتخشى أوساط سياسية اذا ما استمر الوضع على الحدود اللبنانية - السورية على ما هو من فلتان أن يمتد ذلك الى الداخل اللبناني ليتحول قضية تبرر مطالبة البعض بطرحها على مجلس الامن الدولي بقصد ادانة سوريا، وهذا من شأنه أن يزيد التورط في الاحداث السورية ويجعل نار هذه الاحداث تقترب من لبنان.